Feeds:
تدوينات
تعليقات

رسالة من يتيم

صديقي أنس ..
عذرًا لصمتي عندما ينادون باسمك و اسم أبيك ، فقد رحل أبي من سنين تارك لي ذكريات مؤلمة كلما رأيتك مع أبيك . عذرًا إذا أظهرت بعض العناد و الغضب في مناسبة يجتمع فيها الآباء ؛ لأني لا أملك أبًا .

عندما أرى جوالك ؛ أعلم لو أن عندي أب .. لم يقصر أو يتوانى في شراء جهاز مثله لي . و عندما نفطر في المدرسة و تأخذ من الإفطار أكثر من حاجتك ، أعلم أن أباك لا يريدك أن تشعر بالجوع .

أخبرني يا أنس ، هل تغضب من أبيك إذا نصحك ؟ أنا لا ينصحني أحد . و هل تحزن إذا قلل من مصروفك ؟ أنا ليس لدي مصروف . و هل تبكي إذا لم يشتري ما تتمناه في الإجازة ؟ أنا لا أعرف ما معنى أن تطلب شيئًا تتمناه . هل تنام في غرفة مستقلة أو تتشارك فيها مع كل العائلة ؟ بيتنا مجرد غرفة أصلاً .

بالله يا أنس ، أخبرني عن العيد و العيدية و الحلوى و اللبس الجديد . هل مللت من تكرار العيد ؟ أنا لا أخرج في العيد .. بل أخاف ، لأني لا أعرف الحلوى و اللبس الجديد .

أخبرني أيضًا .. كيف يأتي الأب من عمله ؟ سمعت أنه يرجع البيت مرهقًا ؛ لماذا ؟ هل يكد من أجلكم و يتعب من أجل راحتكم ؟ أنا لا أصدق أن يعيش إنسان من أجلي !!

إذا كان أبوك هو من وفر لك جوالك و هندامك و راحتك و مصروفك ، فلماذا تأجل الرد على اتصاله ؟ و تكذب عليه بشأن عودتك للمنزل ؟ هل صحيح مقابلة الإحسان بإساءة ؟

أنس .. هل تعيرني أباك ؟

زمن الشتاء

زمن الشتاء في هذا المصيف..
جسم بارد.. ومع النسيم له حفيف..
أيظنني مت أم ماذا يحيف؟
اضرب بكل قواك يا مأسور..
و أنا الشهيد!

قطع عروقي يا جبان يا شبيح يا وهم العمائم يا حقير..
مزق وريدي و انثر الأشلاء في بيتي السعيد..
فهل رضيت.. أم هل من مزيد؟
فغدًا ستلقى في جهنم يا حقود
و تذوق فيها ما جنيت و ما نكثت من العهود..
قسمًا ستلقى في جهنم يا عنيد!

دفنوا الشتاء في زمن الخريف!
واستبشروا بأني لن أعود..
دعهم يظنوا بأني تهت عن لوح الخلود..
وأنني قد فارقت أرضي و لن أعود..
زمن عجيب.. زمن عجيب!

طاقات رمضان

منذ كنا صغارًا و نحن نتفاءل بحلول رمضان، لنرى بعض الملامح الإنسانية و الأخوية، و مشاركة الكبار في توزيع المياه و بعض التمرات على المارين أمام بيوتنا أو القادمين مبكرًا إلى مسجد الحي. كان هناك شعور غريب و رغبة عارمة بأن نكون كبار لنستطيع المساعدة بشكل أكبر. ما زالت هذه المشاعر تراود البعض كلما حل رمضان، خصوصًا مع فرحتنا بالإفطار البسيط؛ تمر و ماء !

يحرص الناس على الخير في رمضان، بشكل لا يكاد يصدق لدى بعض الأشخاص، فهناك دوافع داخلية تغذينا لعمل الخير و التبسم و ضبط النفس و الابتعاد عن المعاصي.. الخ. و هو شعور نقرنه فقط بالصيام و في رمضان. التعود على هذا الأمر جعلنا لا نعيش روحانية العبادة إلا في صدقات رمضان و صلوات رمضان، و هو أمر طبيعي – إلى حد ما – لكل مسلم، خصوصًا أنه في شهر تزداد فيه الطاعة و العبادة، و في شهر تتنزل فيه الرحمات و تغلق جنهم أبوابها و تصفد و تحبس الشياطين و تقل شهوة الإنسان للمعصية. ثم يأتي العيد و ينسى الناس هذا كله ! لماذا ؟ لا أحد يدري .

كان يقرأ القرآن في رمضان، كان يصلي في الليل التراويح و القيام، و ربما غالب طريق السفر حتى يصليها في أحد الحرمين الشريفين، و ربما كان يداوم في مسجد بعيد عن بيته و يبادر إلى الصلاة من أجل إضفاء خشوع عند إمام حسن الصوت؛ ثم ذهب مشروعه كله مع تكبيرات العيد ! ألهذا الحد لا يمكننا الاستمرار على مشاريعنا بعد رمضان، ألا يمكن مواصلة قراءة القرآن بعد رمضان، القرآن نفسه الذي كنت تلازمه في رمضان .. ألا يمكنك أن تشتري وجبة غداء و تتصدق بها على العامل الذي كنت تتصدق عليه في رمضان ؟

قال النبي صلى الله عليه و سلم لابن عمر : ( يا عبدالله لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل )؛ و كان ابن عمر في ذلك الوقت حدثـــًا و لم يبلغ مبلغ الرجال، فما بالك بتمسك كبار الصحابة بالأعمال الصالحة، و ما بالك بعبادة نسائهم في بيوتهن، فلنكن مثلهم حتى لا نكون رمضانيون فقط. و الله تعالى يقول : ( ولكن كونوا ربانيين )، فأنت لربك لا لرمضان و كلنا سنحاسب على حياتنا لا على حياتنا الرمضانية فقط .

ثم إنك ترى بعض الشباب في احتفالات العيد و كأنهم ما عاشوا رمضان – من شدة مواقعتهم في المعاصي و الذنوب – و كأن رب رمضان قد ذهب مع رمضان، و كأن ( إنسان رمضان ) غير هذا الإنسان، و كأن العبادة لا تصح إلا في زمن معين و مكان معين ! لا يا شباب بل استمروا في تلكم الخيرية .. استمروا على العبادة .. حتى لو بالقدر القليل .. ألا يمكن أن تقرأ في اليوم جزءًا واحدًا ؟! إذن اقرأ نصفه .. ثلثه .. ربعه .. لكن لا تتركه . ألا يمكنك أن تتصدق في اليوم كما كنت في رمضان ؟! إذن تصدق بنصفه أو حتى عُشره أو حتى بأقل الخير : بابتسامتك .. لا تترك عمل الصالحات . ألا يمكننا ترك الحرام .. هذا غير معقول .. كنا نثبت لأنفسنا أننا نستطيع الفكاك منها بدعائنا الصادق و إلحاحنا إلى الله و صيامنا و قيامنا .. و الآن لا بد أن نتركها.

انظر إلى إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن في قوله : ( قل إن صلاتي و نسكي و محياي و مماتي لله رب العالمين ) ، و يقول الله تعالى : ( رب اجعلني مقيم الصلاة و من ذريتي ) ، فهل رأيت أجمل من هذا المعاني في الثبات و الاستمرار على طاعة الله . و للعلم فإن دنياك لا تستقيم و لا تحصل على التوفيق إلى بهذه الطاعة . و كم هو عظيم ديننا الحنيف ؛ فحتى طاعتنا لا تشغلنا عن الكسب الحلال أو عن الترفيه المباح ، فديننا دين سعة و بحبوحة و الحمد لله . بقي أن نعمل فقط ثم نستمر لقول الرسول صلى الله عليه و سلم : ( خير الأعمال إلى الله أدومها و إن قل ) .

يوميات

في ظل تسارع هذا العالم .. حتى يظن الظان أن أمس يومه يبعد عنه كثيرًا .. لا يذكر المرء أين صلى و لا ما أكل أو من التقى .. كما أن الانجازات تختفي مع كثرة المشاغل و الملهيات و أطنان من رسائل التواصل الإلكترونية . فكنت قبل دخولي المرحلة الجامعية أكتب بعض الذكريات و بعض المواقف في سطور أو أبيات .. أو بشكل رسائل شخصية .. ثم تطور الأمر في أول سنتين في الجامعة فصرت أكتب لنفسي مجمل أحداث الأسبوع .

و في السنة الثالثة .. اخترعت طريقة أراها جيدة في حينها .. اشتريت مفكرة شخصية بربع مقاس ورق الطباعة و صرت أكتب فيها الجدول الأسبوعي ( أفقي مقسم بأوقات الصلوات و عمودي مقسم بالأيام ) و ما فعلته في كل وقت – بغض النظر إذا كان هناك إنجاز أو لا – .. و كذلك الأفكار و الخواطر و ما أحضره من دروس و محاضرات و المهام اليومية و الأسبوعية .. و حلول بعض مسائل الرياضيات الفنية .. و أرسم – أحيانًا – بعض النقشات و مسودات التصاميم .. كما تحتوي المفكرة على المواعيد المهمة و طلبات الإخوان .. و فوائد القراءة و الإطلاع و أسماء الكتب و عناوين الأشرطة .. الخ . و استمريت على هذا النحو قرابة الثلاث سنين .

و بعد التخرج .. تغير وضعي قليلاً بشأن ترتيب الوقت و كثيرًا بالنسبة للأشغال .. فاعتمدت على طريقة مغايرة .. فكنت أجدول الأسبوعي على ورق الطباعة العادي .. و اجعل خانة على يسار الجدول للمهام و الملاحظات و القراءة .. و كنت أحمل مفكرة بحجم ثُمن ورق الطباعة .. أستخدمها لتسجيل الملاحظات و الخواطر و المهام المستعجلة .. كذلك في انتزاع الأوراق منها🙂 .. حتى قل حجمها بشكل ملحوظ !!

ثم انتقلت أخيرًا إلى فكرة أعجبتني .. خصوصًا بعد اقتناء جهاز جوال يدعم آخر التقنيات .. فصرت أسجل المواعيد في أوقاتها في تقويم الجوال و وضع التنبيه المناسب و مشاركة الموعد ببريد المتواعدين ، ثم عمل مزامنة مع موقع التقويم المشهور لحفظها من الضياع لا قدر الله .. كذلك أقيد الإنجازات و مشاغل الوظيفة و طلباتها في كتاب الأجندة ( الذي توزعه لنا الشركة ) .. و على جانب آخر أكتب أهم حدث حصل في اليوم و متابعة القراءة و المراجعة و الورد في ملف الجدولة المشهور .

لقد استفدت كثيرًا من هذه المتابعة الدقيقة لنشاطي اليومي .. فكثير لا أهتم بما قد حصل ( قد حصل و انتهى ) سواء الجيد و غير الجيد !! لكن بعد هذه المتابعة .. صرت أحلل طريقتي في توزيع الوقت و ترتيبه .. و صرت أدرك كثيرًا من الفنيات في التعامل مع الآخرين بشأن الوقت .. كما صرت أهتم بالمواعيد و أحاول الضن بالوقت لمصلحتي .

كما أن لدي ملاحظات قيمة وممتعة و ذكريات ماتعة لجميع الأيام بحمد الله .. لأني أهتم بالذكريات .. كما صرت أدرك ما معنى الفرق بين ( الإهمال ) و ( الاهتمام ) .. و صرت أحاول تطوير نقاط الضعف و التي ظهرت من تراكم المعلومات .

و الآن .. و بعد مضي خمس سنوات من تدوين شامل ( و ليس دقيق ) لأجزاء من حياتي .. أتمنى ممن يشاركوني حياتي أن يكتبوا حياتهم .. حتى يدركوا مقدار التطور الذي حصل لشخصياتهم بين الفينة و الأخرى .. كما أتمنى من أصدقائي و زملائي الأعزاء اختراع فكرة جديدة لتدوين أهم انجازاتهم اليومية .. فربما يحتاجها في يوم من الأيام . حاليًا سأسعى لتطوير أسلوبي لكن لا بد أن تكون فكرة جديدة .

إشراق صباح

ما إن يتمدد الصباح حتى يتبدد ..

ليته لما انتشى علينا و أشرق .. لم يبارحنا مكانه ..

إشراقته الجميلة تبعثنا إلى التفاؤل ..

لا تملك نفسك .. حتى تنتشي مثله ..

نحتجز هواءه في رئتنا ..

لأننا نحب الحياة ..

ثم لا نلبث أن نعيش شبابًـا طويلاً بهذا الهواء ..

ثم نخرجه نفسًـا طويلاً ..

و نعاود احتجاز آخر ..

صباحنا .. يداعبه خيوط الشمس ..

كما تداعبنا أصيلها ..

من الميلاد إلى الغروب .. نريد أن نبقى سعداء ..

و لا بأس من الحزن .. ما دام يعقبه صفاء ..

يصحو الصباح سعيدًا .. رغم ما يمر بنا من حزون ..

يصحو متفاؤلاً .. رغم ما نودعه به من تشاؤم ..

إنه ينسى الماضي .. رغم ما كان ..

هل أشرق الصباح يومًا مظلمًا ..

بل هل أشرق في غير وقته ..

بل أكاد أجزم أحيانًا .. أنه يتخفى لـ (يتغلى) ..

ليعلن أنه موجود .. و أنه يفرض احترامه على الجميع ..

إن جميع ما يحصل في الصباح يكون جميلاً ..

لقاء مع أحبة ..

أو وجبة شهية ..

أو درس ممتع ..

أو لعبة مرحة ..

أو نزهة مع الخلان ..

أو حتى عمل شاق ..

هذا الصباح .. يجعلك تبتسم ..

تبتسم لأيام خلت .. و ذكرى تتجدد ..

تتذكر الأصحاب .. الأوفياء ..

نعم .. الأفياء .. لأن الصباح وفيًـا ..

الصباح وفيٌ .. لأنه لم يتأخر عن أحد ..

بل .. لن يتأخر عن أحد ..

الجميع يعلم أن أي ليل .. يعقبه صباح ..

و إن طال الليل .. سيعقبه الصباح ..

صحت في الصباح .. بدمعي :

يا صباح .. وا إصباح .

أرسل نسمة باردة داعبت دموعي ..

و غيرت مسارها قليلاً ..

أرسل نسمته .. يجاوبني :

كل شيء سيتغير .. حتى مسار دموعك تغير .

انتظرتُ نسمة أخرى ..

لكنه أبطأ عليّ .. ثم أرسل نسمة أخرى أجمل ..

كأنه يخبرني أن الصبر سيطول ..

و إن طال .. لا بد أن بعده .. سعادة ..

سمعت .. يا فؤداي ..

هذا الصباح يناجيك .. بل يناغيك ..

كأنك طفل بين يديه ..

يا فؤادي .. أتعبتني بالذكرى ..

ألا زلت تذكر .. لا تعرف إلا الذكرى ..

ذكريات .. تتجدد ..

انتبه .. للصباح ..

انتبه .. للشروق ..

لنسمة الفجر ..

لمطلع القمر .. و لو في الغروب .. !!

جميعها تدعو للتفاؤل ..

تجعلك تطير .. جذلانـًا ..

عندما تنعس في الصباح ..

فهو يحاول أن يخطف روحك ..

ليجعلها .. تسمو في التفاؤل ..

يهز وجنتيك .. بنسمة باردة ..

يعاتبك .. على ليل بكيت فيه ..

لماذا .. البكاء .. ؟؟

الله غفور .. و المؤمن سعيد ..

كذا يعتقد الصباح ..

ثم تقول : سبحان الله ..

يشرق الفأل في نفوسنا قبل الصباح ..

عندما تغموض الجفون .. و تنام العيون ..

كان هناك فتى .. صغير .. يقرأ ..

” الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ

أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ

وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ

وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ “

ثم يتعجب ..

يقلب صفحات المصحف ..

ثم يقرأ ..

“اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا

إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ

وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ “

ثم يسبح في تفكير و يقلب المصحف ..

و يقرأ

” وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ

مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ

أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ “

يؤذن الفجر ..

يخرج الفتى للمسجد ..

تحرك فيه نسمات الفجر الذكرى ..

لآيات تلاها قبل قليل ..

ثم يقول : سبحان الله ..

يخرج بعد الصلاة مسرعـًا ..

يوقفه أحاسيس الصباح ..

يكاد خفقان قلبه أن يسقطه أرضـًا

ينظر إلى السماء .. يقلب في بقايا أضواء نجوم ..

ثم يقول : سبحان الله .. هذا التفاؤل ..

نية السَحَر

(1)

ارتمى على فراشه الوثير الذي امتلأ قطنًا ..

حتى تزاحم جسمه في فراشه ..

حبس نفسًا كثيرًا .. ثم أطلقه على شكل تنهيدة طويلة ..

أعجبته التجربة .. كررها ..

أحس ببعض الحياة .. ثم عاد إليه همه ..

أغمض عينيه .. و رأى حمرة جفنيه ..

كم تمنى أن يغلق هذا النور الذي يقبع في أعلى السقف .. !!

أراد أن يكون هادئًا .. ودودًا .. مع نفسه ..

لا يريد أن يجرح مشاعر نفسه ..

خُيِّل إليه أنه يعيش هناااااااااااااك ..

تحسس جنبه الأيسر بكفه اليمنى ..

مسح بأصبعيْه على جبينه ثم سحبهما على صدغه الأيمن ..

ثم جرهما حتى لامست أطراف لحيته الصغيرة ..

عبث بأحد الشعرات التي يظن أنها أطول الموجود .. !!

رفع إحدى رجليه .. بما يمكنه من رؤية مشطها ..

رماها .. على الفراش الذي اهتز غضبًا من هذا الأسلوب ..

كررها مع الرجل الأخرى ..

تنهد أخرى .. كانت أطول من أختيها ..

للتو شعر أنه يعض على شفته السفلى ..

ذاق طعم الدم .. و لولاه لما توقف على عضها ..

اضطجع على يساره .. واضعًا كفه اليسرى تحت خده الأيسر ..

جال بمنظره .. لم ير شيئًا مثيرًا ..

حاسوبه .. بقايا أكله .. دولابه الصغير ..

حذاؤه التي يحب لبسها في بعض الأحيان .. !!

ثوبه الذي نزعه قبل يومين و لمّا يرفعه حتى الآن ..

تأمل الشباك قليلاً ..

لم يفتحه مذ أحرق تلك الورقة قبل أسبوعين ..

أغمض عينيه بقوة .. تضجر .. تأفف ..

لا جديد .. سوى ابن جاره الذي يحب ترتيب الحجارة ..

إنه أصغر منه بكثير .. يتذكر يوم ولادته ..

و اليوم بدأ يظهر في شارع الحي ..

أول مرة يراه في الشارع .. عندما كان ينكش الطريق بحديدة في يده .. !!

كان يسعد إذا قلع حصية صغيرة من السفلتة ..

ثم يتوب و يعيدها مكانها ..

ثم يعلن أسفه بدوسها بقوة في مكانها !!

قبل سنتين .. أراد أن ينطلق مع أصحابه إلى هناك ..

حيث يغامر بحياته ..

يتعلم كيف يدافع عن وطنه .. و أهله ..

كيف يميز اليهودي من غيره ..

كيف يدس سكينه الصغيرة بين ملابسه و حذائه ..

كيف يستخدم المقلاع .. بطريقة احترافية ..

وليد .. يجيد استخدام المقلاع ..

أحمد .. رميه أشد .. و أقوى .. بل يسمونه ” العنيف ” ..

مصطفى .. يكاد لا يخطئ ما يريد .. دائمًا ما يردد ” أنا قناص ” ..

أحمد الآخر .. الفتى الأذكى يدبر الهروب .. ” زئبق ” .. كذا يناودنه !!

حسام .. الموجه الرئيس و المنسق العام لشارع الحي ..

رامي .. المتحدث الرسمي لـ ” الشلة ” .. ” مدير ” كالعادة !!

عمرو .. هو ؟؟ لا يدري ما موقعه من الإعراب .. لا يدري ما يطلق على نفسه !!

عاتب نفسه قليلاً بسبب الجبن ..

يخاف من الحجر و الظل ..

فكيف يرمي بحجر على يهودي !!

كم تمنى أن يكون مدبر اغتيالات ..

أن يخطط لعمليات الفداء ..

أن يصبح جنرال حرب عصابة ..

أن كنيته ترعب جنود اليهود ..

أن يلتف حوله شباب الحي لمعرفة الهدف القادم ..

أن تكون كنيته في أول قائمة المطلوبين ..

لكن للأسف .. اصطدمت طموحاته بمشاعره !!

عبثًا .. أراد أن يفهم لماذا تركوا بلدتهم لمكانهم هذا .. ؟؟

لا وجود لأجوبة صريحة ..

إنه لا يتذكر إلا ” مرام ” .. القابعة في سجن حيفا ..

منذ كان صغيرًا ..

” سعاد ” و ” عبير ” .. ما زالوا في البيت ..

” سمير ” .. أخوه الكبير .. بقي هناك لانتظار مرام ..

يبدو أن أبا سمير فضل الانتقال حتى يحفظ بناته و أم سمير ..

خصوصًا أنهم من العرب الأقحاح .. الذين لا يرضون الضيم ..

أقام ظهره – بحركة رشيقة – .. و ظل جالسًا على فراشه ..

حبس نفسًا ثم أطلقه ..

لا بد أن يفعلها .. الوطن قريب ..

” الانتقال من هذه المدينة إلى مدينتي يضعني في قلب الحدث “

حدث نفسه و قد انعقد جبينه .. و صك على أسنانه .

(2)

ما بين المدينتين .. قرابة الخمسين كيلاً ..

يوجد فيه ثلاث نقاط تفتيش ..

و على أقل تقدير .. سبع دوريات ..

يريد العودة إلى قلب ” غزة ” .. أو إلى حيفا ..

ربما نقلوا مرام .. إلى صحراء النقب ..

مرام عنيدة .. يدها طويلة .. رفعت أكثر من صفع المحققين ..

تهمتها .. أنها رفضت التفتيش الشخصي ..

ربما كانت تحمل مواد سامة أو متفجرة عندما خرجت من المدرسة .. !!

أو تكون جاسوسة للمنفلتين المقاومين .. !!

” و ماذا في الأمر ؟؟ ” .. خاطب عمرو نفسه ..

ثم استمر : ” و أنا سأفعلها !! “

ثم لاحظ أن ألقى بهذه الكلمة حمية لأخته .. ثم لوطنه ..

لكن تفكيره لم يسعفه في أيهما يفكر الآن ..

وضع يديه على الفراش ثم اتكأ بكامل قواه

و سحب رجليه للخلف و قام ..

كالعادة .. عمرو رشيق ..

وضع يده اليسرى على خاصرته ..

و أخذت اليمنى تلعب في قميصه .. بجوار رقبته ..

” كيف سترضى أمي ؟ ” .. عمرو محدثًا نفسه ..

بعد العصر .. ذهب على عبدالله ..

و حكا له ما يروم ..

قدم له الدعم النفسي اللازم ..

حتى عبدالله .. انتقلوا للمدينة الجديدة خوفًا من بطش اليهود ..

و حفاظًا على بناتهم .. و أولادهم الصغار ..

عبدالله : عمرو .. لا بد أن نتناقش مرة أخرى

عمرو : الموضوع بالنسبة لي منتهي

عبدالله : و هل ستتركني

عمرو : لا

عبدالله : لكنك ستذهب

عمرو : و ستذهب معي

عبدالله : !!

عمرو : و هل ستبقى هنا بدوني ؟

عبدالله : !!

عمرو – مربتًا على كتفه – : فكر في الموضوع !

شد على يديه .. و افترقا قبل حلول الظلام .

(3)

كالعادة أجاب عمرو على سؤال الرياضيات ..

رغم إنه لم يحفظ النص الشعري في الدرس السابق ..

عيناه الغائرتان .. تخيف مدرسيه ..

خاصة عندما يريدون سؤاله على الفرض اليومي ..

 

حين ارتحل

فؤادي حنانيك حين ارتحل = فأشغلت فكري و حان الأجل

و ما زلتُ أمحي بقايا الرسومِ = و أطمسُ عالم صحبي الأزِل

و أرسم في ذكرياتي السهى = لأن الحياة بقايا الأمل

صحابي، و أغلقتُ عيني بليلي = على ذكرياتي و صحبي الأول

لقد غاب فكريَ عن عالمي = و ظل حبيسًا محل الطلل

لعبنا لهونا ضحكنا ركضنا = و كنا و كنا فصار العطل

و يخفق قلبي لحين اتصالٍ = و تعبث ذكرى بشوقي الوجل

سألت صحابي : لنا موعدٌ = فقالوا : اللقاءَ، و قالوا : لعل