Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 30 مايو, 2009

العالم

دعوه لا تلوموه دعوه * لقد علم الذي لم تعلموه

هذا العالم الغريب .. جدًا غريب .. قـَـلوب المزاج في سكونه و هيجانه .. سبحان مقلبه كيف يشاء .. كم يحب التطور و الاستهلاك بشكل عجيب .. لا أخفيكم .. كثرة الاستهلاك هي غرامة الحضارة . العالم يحب الأخذ أكثر من العطاء .. يحب الأنانية و التسلط و التجبر .. و يريدنا أن نحبه !!

كثيرون هم المحبون له .. لا غرو فأنا أقدره و لا أكثر .. أحترمه و هذا واجب .. لكن هذا العالم من خلف الستار ؛ لا أعلم ما يصير له .. تناقض يدوم .. تفاخرو غرور .. لعب و لهو .. تكاثر و زينة .. أيها العالم .. ماذا تريد ؟ هل تريدنا نهز رؤوسنا خلف كلامك .. هل تردنا تلوي أعناقنا من أجلك .. هل تريدنا نذبح قيمنا على عتبة طاعتك .. هل تريد أن نقص أعناق حضارتنا في مصقلتك .. أم تريدنا نحن على مشنقتك .. تتدلى أنفسنا كبندول ساعتك تحت حبل قرارك .. لا أعلم .

أيها العالم .. دعني أخبرك .. أنا مؤمن .. قد سرى هذا الطب في دواخلي .. قد عشعش على الرأس و ما وعى .. قد شاغف الفؤاد و ما حوى .. هل تصدق ذلك .. ؟؟ كل مجهودك سيذهب سدى .. أبصم لك أن ضميرك يعرف هذا .. سأخبرك الدليل .. قال الله تعالى : « وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا » .. و ما رأيك بالنمرود الذي قال : « ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى » .. لماذا اختار الرقي إلى السماء و لم يبحث عن إله موسى في بقية الأرض التي يعرفها .. ؟؟

و خذ هذه على محمل الجد .. قد تضايقني و تتجبر بل و تقسو على ذاتي .. لكنك – حقـًّا – لا تستطيع هزيمة الحق الذي يُدعى إليه .. أنت تعرف هذا .. فلماذا المشاكسة ؟؟ تروعني نظرتك الغاضبة .. لكنها الحقيقة !!

أنت – بكونك مخلوقـًا – لا تجرؤ على تعبيدي .. لا تجرؤ على تغييري .. لا تجرؤ على اتهامي .. دعائي و صبري يقتلان أي نوايا تريد بصيص النور .. تغلب أي ثورة تعمل على إنجاحها .. أنا معك على طريق واحد حتى النهاية .. لنرى من منا كان عونـًا لصاحبه على الحق .. لا تتأفف .. لا تغضب .. فكما لا يدوم ودك لي أو ودي لك .. لا يدوم قيدي في يدك أو غضبي تجاهك.. هل تفهمني .. كلانا غريب !!

Advertisements

Read Full Post »

العيص

في السنة الأولى من الهجرة المباركة، أرسل الرسول صلى الله عليه و سلم عمه أسد الله رضي الله عنه إليها و هي التي يقال لها تاريخيًا: سيف البحر ( الطبقات الكبرى – ابن سعد ). و في عام ستة للهجرة أرسل إليها أيضًا زيد بن حارثة و كانت في شهر جمادى الأول ( المغازي – الذهبي ). لقد كانت العيص ملجأ لأبي جندل وأبي بصير يوم قصدوا الطريق لعير قريش يرغمونهم فيها، فيأتي زعيمها أبو سفيان يطلب إلغاء بعض شروط الحديبية.

هم أحفاد زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه؛ سكنها قبيلة جهينة القضاعية و تعتبر حاضرة جهينة منذ قديم الزمان، و سكان مدينة العيص من جهينة هم : قبائل عنمه و سنان و ذبيان و الموالبة و العنينات و حبيش و الكشوش و غيرهم.

قال صاحب كتاب « التاج » : إن العيص معناها النفس و قيل الحركة و القوة و هي بمعنى صبور، و عيص بمعنى صدق. و قال عنها « ياقوت الحموي » في معجمه: « العيصان تسمية للعيص و هو منبت خيار الشجر مثل السدر و العوسج إذا تدانى والتف ». و كان هذا وصفها الذي وصفها بها المستشرق لورانس عام 1919 م.

و بعد هذه المقدمة التي لا بد منها، أنتقل إلى ما أريد. فالله أعلم بذنوب العباد و بحال البلاد. و إن المشاهد للأحداث يعلم أن هذا بجرم أيدينا. اجتمع قومنا على المعصية؛ فما زالوا يرددون هياجهم المأفون عن المرأة: قيادة و سيادة و انفكاكًا من القيم و الأخلاق، و ما زالوا في هوجهم المعفون على أهل العلم و أهل التقوى، لأناس ما عرفنا عنهم إلا الخير، و ثالثة الأثافي: تهويجهم العامة للاجتماع على المعاصي في دور صناعة الأفلام و عرضها.

أي نجوى أرسلها لهم و هم يرجعون هذه الزلازل إلى الطبيعة. أي ألحاد و تجرد عن الإيمان عند بعضهم عندما يأخرون الأسباب السماوية الحقيقة و يتكلمون عن اللابة و عن الصهارة و عن الصدع أو الحرة. قال الله تعالى: « و لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضراء لعلهم يتضرعون، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ».

الله يقول: « و ما نرسل بالآيات إلا تخويفًا » فهذا حصر في أعلى مراتبه، أفلا نتعظ. الله يخوفنا؛ و ما زلت أرى فتياتنا شمروا العباءة ليبدوا الجينز في الأسواق. الله يحذرنا؛ و ما زلنا نرى إعلامنا يندد بالإسلام من طرف خفي. الله يستعتبنا؛ و هو يرزقنا.. فانظر إلى حلمه سبحانه.

 

العيـــص مبتدأ الخبر * و الناس ما اكترثوا الخطـر

يا ليتهم لما عصــــــوا * قـــد قـــــدروا هذا الأمـرّ

يا لــــيت قومي يعلموا * أن الأمــور إلى ضــــــــرر

الأرض مــــوج نقعهـا * غطى الجبال إلى الحضر

يا ربنــــــا لطفـــًـا بنـــا * أنــت الإلــــه المقتـــــدر

قال الله تعالى : « وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ».

Read Full Post »

فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجًا تحت جفنة. فتقدم فيروز الديلمي، والأسود نائم على فراش من حرير قد غرق رأسه في جسده – و هو سكران – يغط والمرأة جالسة عنده. فلما قام فيروز على الباب؛ أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه وهو مع ذلك يغط فقال: مالي ومالك يا فيروز ؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة. فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله. ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهب عن حرمتك ؟ فظنت أنها لم تقتله. فقال أخرج لأعلمهم بقتله. فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه.. فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه، فاحتز الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط.. فابتدر الحرس إلى المقصورة فقالوا: ما هذا.. ما هذا.. ؟؟!! فقالت المرأة: النبي يوحي إليه !! فرجعوا.

وجلس قيس داذويه و فيروز يأتمرون كيف يعملون أشياعهم. فاتفقوا على: أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين. فلما كان الصباح، قام أحدهم – و هو قيس – على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال وبر بن يحنش الأذان: أشهد أن محمدًّا رسول الله وأن عبهلة كذاب.. وألقى إليهم رأسه، فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الإسلام وأهله وتراجع نواب رسول الله إلى أعمالهم.

وكتبوا بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه توفي عليه السلام قبل وصول الكتاب، و قد أطلعه الله على الخبر من ليلته كما قال ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا؛ فقال: قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: و من ؟ قال: فيروز.. فيروز.

قلت: و مما يستفاد تطبيق أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و الطاعة بالطاقة، و الإيمان بالعقيدة الإسلامية، و حسن التدبير و فضل الاجتماع، و التأمير و لو على الاثنين، و الحرب خدعة و مكيدة، و المداهنة و المداراة، و إرسال البشرى، و الإعلام بالأذان، و أهمية الشورى، و صون حمى الشريعة و ديار التوحيد، و حفظ أمن الناس و ديارهم و معتقداتهم، و جواز التجسس على الكفار لمصلحة المسلمين، و قبول الهدية من الكافر، و التفريق بين المحارب و المعاهد و صاحب الشبهة، و ما إلى ذلك من الفوائد.. و الله أعلم.

Read Full Post »

قال قيس: فدخلت على امرأته أزاذ، فقلت: يا ابنة عمي قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك.. قتل زوجك.. وطأطأ في قومك القتل.. وفضح النساء.. فهل عندك ممالأة عليه ؟

قالت: على أي أمر ؟

قلت: إخراجه..

قالت: أو قتله !!

قلت: أو قتله.

قالت: نعم والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إلي منه فما يقوم لله علي حق ولا ينتهي له عن حرمة فإذا عزمتم.. أخبروني أعلمكم بما في هذا الأمر.

قال قيس: فخرجت فإذا فيروز و داوذيه ينتظراني يريدون أن يناهضوه. فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود. فدخل في عشرة من قومه. فقال الأسود: ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة إنه يقال يا سوأة يا سوأة إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا !! حتى ظن قيس أنه قاتله فقال: إنه ليس من الحق أن أهلك وأنت رسول الله فقتلي أحب إلي من موتات أموتها كل يوم. فرقّ له وأمره بالانصراف.

فخرج إلى أصحابه فقال: اعملوا عملكم. فبينما هم وقوف بالباب يتشاورون؛ إذ خرج الأسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير. فقام وخط خطًا وأقيمت من ورائه وقام دونها فنحرها غير محبسة ولا معلقة ما يقتحم الخط منها شيء، فجالت إلى أن زهقت أرواحها. قال قيس: فما رأيت أمرًا كان أفظع منه ولا يومًا أوحش منه. ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؛ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة. وأبدى له الحربة.

فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيًّا ما بعنا نصيبنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا ؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك.. فأنا بحيث تحب. فرضي عنه وأمره بقسم لحوم تلك الأنعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء. ثم أسرع اللحاق به؛ فإذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدًا وأصحابه، فاغد علي به. ثم التفت فإذا فيروز فقال: مه !! فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم. فدخل الأسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع و بما قال وقيل له. فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره.

فدخل أحدهم – و هو فبروز – إليها، فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس وليس من دون قتله شيء، وإني سأضع في البيت سراجًا وسلاحًا. فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي ؟ و وجأ رأسه. وكان الأسود شديدًا.. فصاحت المرأة فأدهشته عنه – ولولا ذلك لقتله – و قالت: ابن عمي جاءني زائرًا. فقال: اسكتي لا أبا لك.. قد وهبته لك. فخرج على أصحابه فقال: النجاء.. النجاء. وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون. فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه. فدخل عليها فيروز الديلمي فاستثبت منها الخبر. ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندها جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: و ما هذا ؟ فقالت: إنه أخي من الرضاعة وهو ابن عمي. فنهره وأخرجه. فرجع إلى أصحابه.

( يتبع )

Read Full Post »

قال ابن كثير في أحداث الكذاب الأسود في اليمن ( بتصرف ):

واشتد ملكه واستغلظ أمره وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية. وكان خليفته على مذحج عمرو بن معدي كرب واسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الديلمي وداذويه. وتزوج بامرأة شهر بن باذام بعد أن قتله، وهي ابنة عم فيروز الديلمي واسمها أزاذ. وكانت امرأة حسناء جميلة وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد ومن الصالحات.

قال سيف بن عمر التميمي: وبعث رسول الله كتابه حين بلغه خبر الأسود العنسي مع رجل يقال له وبر بن يحنس الديلمي يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسي و مصاولته وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام. وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، وقاموا معه في ذلك وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي صلى الله عليه و سلم، و من قدروا عليه من الناس.

و اتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند، وكان قد غضب عليه الأسود واستخف به وهم بقتله، وكذلك كان أمر فيروز الديلمي قد ضعف عنده أيضًا وكذا داوذيه. فلما أعلم وبرُ بن نحيس قيسَ بن عبد يغوث – وهو قيس بن مكشوح – كان كأنما نزلوا عليه من السماء، و وافقهم على الفتك بالأسود. و توافق المسلمون على ذلك وتعاقدوا عليه. فلما أيقن ذلك في الباطن؛ اطلع شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح..

فقال له: يا قيس ما يقول هذا ؟

قال: وما يقول ؟

قال: يقول عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل وصار في العز مثلك مال ميل عدوك وحاول ملكك وأضمر على الغدر، إنه يقول: يا أسود يا أسود.. يا سوآه يا سوآه.. فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف قلبك.

فقال له قيس وحلف له: كذب وذي الخمار لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي.

فقال له الأسود: ما أخالك تكذب الملك فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما اطلع عليه منك.

ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه – فيروز و داوذيه – وأخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر فما الرأي ؟ فبينما هم يتشاورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه.

فقال الأسود: ألم أشرفكم على قومكم ؟

قالوا: بلى.

قال: فماذا يبلغني عنكم ؟

فقالوا: أقلنا مرتنا هذه !

فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم.

قال : فخرجنا من عنده ولم نكد وهو في ارتياب من أمرنا ونحن على خطر فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر أمير همدان وذي ظليم وذي كلاع وغيرهم من أمراء اليمن يبذلون لنا الطاعة والنصر على مخالفة الأسود وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يحثهم على مصاولة الأسود العنسي. فكتبنا إليهم: ألا يحدثوا شيئا حتى نبرم الأمر.

( يتبع )

Read Full Post »

أمر الدنيا عجيب، و ساكنها – لعمر الله – غريب. فهي قلوب خلوب. ما استمرت لأحد.. فمن يقوى عليها ؟ بل استمرأت على كل أحد. ما سلا بها إلا أحمق غليم أو منافق عليم. لذلك فالإنسان يصرعها حتى يصرعه الموت. فانظر – حماك الله – إلى امرأة دارت عليها دنيا؛ كيف تنهار. أو إلى ثكلى فقدت غالٍ على قلبها؛ كيف تحار. لكن الرجال – و أنعم بالرجال – خلقوا للصبر و التصبر و الاصطبار بل و التصبير. يندر أن ينبثق من الرجال أو النساء من يخالف جنسه أو يغاير طوره، فالله يثبت من يشاء و هو العليم الخبير.

هناك صنف من الرجال لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء؛ قد خلق الله فيه من المشاعر ما تجعل صدره يئن عند المصائب، فهم يختلون ليبكون بكاء أسى و تنفيس، لا بكاء جزع و يأس. دموع ساخنة اجتمع فيها – مع حرارتها – حر الصدر و سكوت الفم و صبر الرجال. رأيتهم – والله – يخفون الدمعة لأنهم يرونها منقصة عند شدائد الزمان. و لولا بكاء رسول الله صلى الله عليه و سلم عند فقده إبراهيم؛ لما أباحوا لهذه الدموع الفرار من المآقي و التفلت من بين الجفون. لا ينبغي لمثلي الحديث عنهم.. و أنى لعيني النظر إلى شمس !!

من أصعب هذه اللحظات.. لحظة فراق بعد طول أنس و مدة خلطة. يا الله من تلك الدموع التي يخفيها الرجال ثم يلقونها عن غير قصد من طرف خفي. رأيته في الطائرة يبكي.. فتفكرت: علام البكاء بهذا الصمت الرهيب ؟ فحالاً تذكرت قوله حال خروجنا من بين الأصحاب: فراق الأحبة وحشة. علمت السبب و أخرت الحديث معه إلى أن هدأ. فقط انظر – عزيزي القارئ – لما اتحفه لنا الشعراء وهم القلة فكيف بـ ( الأغلبية الصامتة ) !!

و من أصعب لحظات الفراق: مشهد الموت. و أعظم موت: موت من يحتاج إليه، بدءً بالرسول صلى الله عليه و سلم ثم بأهل العلم و الفضل ثم موت أبٍّ حنون أو أمٍّ رئوم أو صديق شهم أو جار كريم، و بعد هؤلاء عوض بإذن الله تعالى. و لولا أننا موقنون باجتماع ثانٍ لتفطرت الأكباد بعد نضج، و لخرجت الأحداق بعد طول هطول. و لعل فراق الدنيا يهون أمام هذا الفراق. و لعل فراق الحبيب صلى الله عليه و سلم يهوّن أي فراق. “ و يبقى وجه ربك ” ذي الجلال.. ذو الإكرام.

و إن من أعجب الدمع.. دمع الصب إذا همى و الشوق إذا هوى. انظر – يا رعاك الله – إلى الصحابة رضوان الله عليهم و هم يبكون في الشام عندما أذن بلال – أبيض الوجه -، و كان لم يأذن بعد وفاة الشريف الطاهر عليه السلام. و اقرأ بكاء الزهراء البتول عندما أسر النبي صلى الله عليه و سلم في أذنها. ألا تعجب من مثل هذا الحب!! و لعلي اطلعت على أحدهم و هو يبكي عند قراءة حديث النبي صلى الله عليه و سلم: ” اشتقت لإخواني “. فيا له من حب و يا له من شوق.

الدمع عزيز .. و الرجل لا يدمع أمام الرجال إلا إذا قهر أو أذل. فكم دمعة ساقها رجل يرثي أمة من أمم الإسلام في مشرق أو مغرب.. و هو بها عزيز و على أمته مشفق. كم أبكتنا قصص أخواننا و أخواتنا في هذه المعمورة و حق لدمعنا أن يسيل؛ دموع رجال.. لا دموع التماسيح !!

Read Full Post »