Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 15 أغسطس, 2009

كان هذا الهدهد الوديع جنديًا من جند سليمان – عليه السلام – . و لعله كان في كتيبة المساندة أو النقل ، إذ كان يبحث عن مواطن الماء في بواطن الأرض . قال عنه ابن عباس – رضي الله عنه – : كان مهندسًا . هذا الكائن الصغير و الدابة الضئيلة يستفيد منه كل من كان تحت ملك سليمان عليه السلام ، بل بإشارته يتحرك الجن للحفر و التنقيب عن الماء لحاجة ملك سليمان . سبحان الله .

كان هذا الهدهد ينتقل في أثناء المعمورة . حيث كانت الأرض في أوج تطورها و بهرجها و زينتها ، بله أكثر من وقتنا الحالي . كان ملك الملك النبي سليمان أعجوبة لا يمكن تخيلها إلا بما ورد لدينا من صحيح المنقول . فتخيل معي – على وجه الحقيقة – الجيش الرهيب الخطير العرمرم الكبير كيف ينقل في آن واحد من مكان إلى آخر بالرياح الرخاء العاصف ، و تخيل القدور و الجفان و الأواني التي يطبخ فيها الطعام لهؤلاء كلهم دفعة واحدة ، و تخيل عيون القطر المذاب التي تنبع كالماء لصنع التماثيل و المحاريب و الآلات بالمردة و العفاريت ، و تخيل – على صعيد آخر – غواصي الماء من هؤلاء المسخرين بيد الملك النبي . إنه تطور بشري لم يسبق و لن يسبق إليه أحد .

و في قصة ملك سليمان – عليه السلام – ما يعجزنا عن التخيل . منها إخراج عرش ملكة سبأ من قصرها و إحضاره إلى عاصمة الملك النبي بدون إثارة حفظة قصر الملكة و في غمضة عين ، و منها بناء قصر ممرد من قوارير يمر تحتها الماء . فأي تقنية يمكنها إمرار الجامد بالجامد بدون تأثر أو تأثير و أي تطور يمكنه صنع غرفة – و ليس قصر – بزجاج من ألفه إلى ياءه . يا للعجب .

نعود للهدهد .. الذي رأى عظيم حضارة قوم سبأ و زخرفها .. لم يعتد على هذا النوع من الحضارة المادية ، رغم العجب الذي كان يراه في كل وقت عند سليمان – عليه السلام – . رأى القصر المنيف و الزخرف الشفيف و الظل الكثيف و الجوهر الصفيف و الشجر اللفيف .. رأى قصر الملكة بنوافذه الشرقية التي تشرق الشمس كل يوم عند واحدة منهن ، و نوافذه الغربية التي تغرب الشمس كل ليلة عند واحدة منهن .. و هم عند كل شروق و غروب يسجدون للشمس من دون الله و زين الشيطان له سوء أعمالهم و صدهم عن سبيل الله المبين .

لم يتعجب الهدهد من الحضرة المادية ؛ بل تعجب من صرف العبادة لغير الله و تحول الطاعة لغير الإله . لم يتعود على الشرك و ظلم النفس و التعبيد لغير الله ، لم يوافق أهل الأهواء في غيهم . لقد اعتز بدينه و ارتقائه الروحي ؛ إنه يعبد ” الله ” .. و هم يعبدون الشمس نهارًا ، و يعربدون ليلاً إذ لا إله ليلاً . كان الهدهد يرى مسخًا لا بشرًا . لم يجاريهم أو حتى سكت عنهم . بل انطلق للفور نحو سليمان – عليه السلام – بكامل عجبه و دهشته في رحلته الطويلة من اليمن إلى بيت المقدس ، ليقول أن هناك مشركون يصرفون العبادة لغير مستحقها . لقد كان نعم المبلغ بلا زيف و لا غش .

لقد حافظ على عقيدته ناصعة بيضاء نقية ، لم يشوب معتقده بإعجاب أو إكبار زائل . كان الهدهد مستقيمًا على الفطرة السمحاء و الطريقة النجلاء . خرج الهدهد من بلاد الإسلام – في ذلك العصر – إلى بلاد لا يعبد فيها الله .. و رجع و لم يتغير فكره . كان الهدهد ذو عزة و أنفة و رائد القوم بعقيدته . باختصار ، الهدهد درس للمبتعثين .

Read Full Post »

اقتباس

يقول الجبرتي – رحمه الله – في حوادث شهر شعبان سنة 1213 هـ :

” لما وردت أخبار الفرنسيين إلى الحجاز و أنهم ملكوا الديار المصرية ، انزعج أهل الحجاز و ضجوا بالحرم ، و أن هذا الشيخ الكيلاني صار يعظ الناس و يدعوهم للجهاد ، و يحرضهم على نصرة الحق و الدين ، فاتعظ جملة من الناس و بذلوا أموالهم و أنفسهم ، و اجتمع نحو ست مئة من المجاهدين و ركبوا البحر إلى القيصر مع من انضم إليهم من أهل ينبع و خلافه . و كان مسلمو الحجاز خصومًا أشد للجنرال ” ديزيه ” – الذي عهد إليه ” بونابرت ” غزو الصعيد و القضاء على قوات الجهاد بقيادة ” مراد بك ” – و قد صمموا على الظفر بإحدى الحسنيين: الاستشهاد أو النصر ، و اتخذوا شعار لهم الآية القرآنية : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . و تكونت منهم و من مسلمي الوجه القبلي في مصر و خاصة عرب الهراوة و أهالي النوبة و قوات ” مراد بك ” جبهة حربية إسلامية في مواجهة جبهة حربية نصرانية كانت تتألف من القوات الفرنسية ، و النهرية و البرية و الفيالق القبطية بقيادة المعلم ” يعقوب يوحنا ” في الجيش الفرنسي ” أهـ .

قلت : هكذا يكون المؤمنون دائمًا .

Read Full Post »

بغل شموس

لا أحد يعرف كيف يسبك بكامل اللطف .. حتى لو كان أكبر ارتيادي محنك . بالفعل هذا الذي حصل معي بعد صلاة العشاء إثر محاضرة من أحد العلماء الأجلاء . رأيت رجلاً كثير الحركة في المحاضرة .. ينتقل من هنا إلى هناك .. و يكتب سؤال هنا .. و يرسله من هناك .. كرهت هذا الفعل .. إذ لا ينبغي – لطالب علم – الحركة في مجلس العلم . سرت الأمور و أقيمت الصلاة .. و كان بجانبي فسحة؛ تقدم ذات الشخص كثير الحركة ليصلي بجانبي . و هنا تبدأ القصة .

بدأ صاحبي بإلصاق صفح قدمه اليمنى بقدمي اليسرى .. كم أكره هذه الوضعية التي تأتي على ما تبقى من قلة الخشوع فتجعله هباءً منثورًا . ابتعدت قليلاً .. اقترب كثيرًا .. ابتعدت .. اقترب .. ابتعدت .. اقترب .. حتى أشرت إليه بيدي اليسرى : أن كف عن هذا الأمر ( الماسخ ) . و أتمينا الصلاة .. و و الله لا أدري كم صلى الإمام منها .. و لا حول و لا قوة إلا بالله .

بعد الصلاة .. سلم عليّ قال – كالعادة – : لقد فعلت كيت و كيت .. فهل تعرف في المسألة شيء ؟

أجبته : و الله لا علم لي .. إلا قراءة من كتاب ” لا جديد في أحكام الصلاة ” .

قُطع هذا الحوار بصلاة الجنازة .. و قلت في نفسي : النجاة .. النجاة .. و الفرار .. الفرار . فاستدركني عقب الجنازة موضحًا و مفهمًا و مجريًا على مثلي قلم التكليف و مشنعًا علي فعلي و طريقتي في الصلاة .

قال – غفر الله له – : نعم .. نعم .. قرأت الكتاب هذا ، و هو كتاب جيد ينقصه كذا و كذا !! و الشيخ رحمه الله أخذتُ عنه ربع علمي !! و لكنه أغفل رواية فلان عن علان .

أخي القارئ : أرجو منك الآن أن تبحث عن رواية التراص في الصلاة و فيها ” بغل شموس ” ، هي الكلمة المفتاحية . كما أرجو منك أن تعرف كيف تفرد أحد الرواة بهذه الزيادة .. و أن تعرف كذلك .. ما حكم الرواية المتفردة أو الشاذة . المهم .. نرجع للموضوع ..

نبهي على أشياء كثيرة – في نظره أنها مستردكة – منها : الخاتم الذي في أصبعي ليس من السنة . و منها : أن الصبي حتى لو كان في آخر الصف ( الأول ) يسحب – على حد قوله – إلى الصف التالي . تداخل كثير في المواضيع بدوى جدوى و لا سبب .. لم ينفع معه قول الجمهور أو المناقشة العقلية أو حتى الصمت المطبق . كنت أقول في معرض الحديث : الخلاف وارد في هذه الدقائق ، لعله ينته . فما انتهى من جدله حتى ضقت ذرعًا بنفسي و بثيابي التي حوتني . لماذا يحصل هذا .. ؟؟ لا أعلم .

و ما طفق يحدثني و لا ينقطع .. و أنا في همي من ثقل كلامه . يورد الشاذ و يستثقل المجمع عليه و كأنه تتلمذ عند جبريل عليه السلام . الحمد لله أنه لم يسألني عن تخصصي ؛ و إلا لترك تزوير كلامه و احتمل نفسه عليّ و ضربني على اجتهاد ليس لي الحق فيه .. و الحمد لله أني لم أبن شيئًا مما اعتقد به ديانةً أمام الله ؛ و إلا لعرفت في وجهه المنكر و زيادة .

الآن تسألني – أخي القارئ – ماذا استفدت ؟ فسأجيب ؛ إذا سألك أحد ” هل تعرف في المسألة شيء ؟ ” فسأجيبه :  نعم ، أعرف عن المسألة كل شيء في بالك و بال أبيك و من أتى بك و من خلفوك . و سأبدأ بسبه قبل أن يسبني ، ثم إذا كان أصغر مني .. سأحمل نفسي عليه حمل لازب .. فلا أبقي و لا أذر شيئًا من شعر رأسه ، ثم أمسك بناصيته و أعضه حتى أحس بطعم فروة رأسه في ريقي .. ثم أركله ذات اليمين و ذات الشمال عزين ، ثم هيهات بعد الفوت سبق .. إذ لا يرى مني سوى غبار الهرب . حقًا : إن بعض البر عوق .

Read Full Post »