Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for 18 سبتمبر, 2010

حين ارتحل

فؤادي حنانيك حين ارتحل = فأشغلت فكري و حان الأجل

و ما زلتُ أمحي بقايا الرسومِ = و أطمسُ عالم صحبي الأزِل

و أرسم في ذكرياتي السهى = لأن الحياة بقايا الأمل

صحابي، و أغلقتُ عيني بليلي = على ذكرياتي و صحبي الأول

لقد غاب فكريَ عن عالمي = و ظل حبيسًا محل الطلل

لعبنا لهونا ضحكنا ركضنا = و كنا و كنا فصار العطل

و يخفق قلبي لحين اتصالٍ = و تعبث ذكرى بشوقي الوجل

سألت صحابي : لنا موعدٌ = فقالوا : اللقاءَ، و قالوا : لعل
Advertisements

Read Full Post »

معركة من أقوى معارك الإسلام التي شهدت من البطولات ما يجعلها أقرب إلى الخيال وهي الحقيقة واليقين، كيف لا يسطر التاريخ هذه البطولات وأصحابها خرجوا للشهادة وللشهادة فحسب، كيف لا يحققون نصراً تلو النصر على مر الزمن وكل فرد منهم على تواضعه عظيم في ذاته، فكان الفرد يفعل الفعلة التي تكسبه مجداً وشهرةً أبد الدهر، ثم يخفي اسمه ولا يعلنه قانعاً بثواب الله سبحانه وكفى.

رتب خالد الجيش ولأول مرة في تاريخ حروب المسلمين استخدم خالد طريقة الكراديس، وهو تقسيم الجيش إلى كتائب كبيرة وصغيرة يجعله مرن الحركة، مرتبطاً جنديه بأميره، وأميره بالقائد العام. وقال: “إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة تعبئة أكثر من رأي العين من الكراديس”. فاستخدم نظام الأجنحة قلب وميمنة وميسرة الذي عرفه العجم قديماً ثم طوره خالد بنظام الكراديس فوزع كل جناح إلى عدة كراديس، فجعل أبو عبيدة قائداً على القلب وتحته ثمانية عشر كردوساً، وعلى كل كردوس أمير. وجعل على الميمنة عمرو بن العاص وتحته أحد عشر كردوساً، على كل كردوس منها أمير. وجعل على الميسرة يزيد بن أبي سفيان وتحته تسعة كراديس، على كل كردوس أمير. أما القاضي فكان أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب يحمّس الناس على الروم، وكان على الطلائع قباث بن أشيم، وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود، وكان القارئ المقداد بن عمرو، وكانت السنة التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند لقاء العدو وهي سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك. وقد قرئت هذه السورة في اليرموك من قِبل المقداد بن عمرو، وما أدراك من المقداد؟ إنه بألف رجل في إيمانه وقوته،  فشعَّت هذه المعاني نوراً في قلوب المجاهدين.

نظر المسلمون إلى رايات الروم تقترب منهم وتدنو، فقال أبو عبيدة -أمين هذه الأمة-: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” ثم قال: “أين أبو سليمان خالد بن الوليد”؟ فأجابه خالد بالتلبية، فقال أبو عبيدة: “أنت لها يا أبا سليمان” فابرز في أبطال المسلمين، وصد عن الحريم، وخذ صفوة الرجال واستعد للحرب بآلاتها، فقال: “حباً وكرامة” ونادى خالد: أين الزبير بن العوام؟ أين عبد الرحمن بن أبي بكر؟ أين الفضل بن العباس؟ أين يزيد بن أبي سفيان؟ أين ميسرة بن مسروق العبسي؟ أين مسرّة بن قيس بن عبد الله الجهني؟ أين صخر بن حرب الأموي؟ أين عمارة الدوسي؟ أين عبد الله بن سلام؟ أين غانم الغنوي؟ أين المقداد بن الأسود؟ أين أبو ذر الغفاري؟ أين عمرو بن معد يكرب الزبيدي؟ أين عمار بن ياسر العبسي؟ أين ضرار بن الأزور؟ أين عامر بن الطفيل؟ أين أبان بن عثمان بن عفان؟ وجعل خالد يدعوهم رجلاً بعد رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهؤلاء كل واحد منهم يلقى فئة كثيرة، فكيف إذا اجتمعوا؟ جمعهم خالد ليضربوا عدوهم الضربة القاضية.

قال ورقة بن مهلهل التنوخي: “وكان صاحب راية أبي عبيدة في اليرموك كان من أوائل من افتتحوا الحرب غلام من الأزد حدثاً كيساً قال لأبي عبيدة: “أيها الأمير إني أردت أن أشفي قلبي وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق الشهادة، فهل تأذن لي في ذلك وإن كان لك حاجة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرني بها” فبكى أبو عبيدة وقال: “أقرئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام وأخبره أنّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا” ثم اندفع الغلام! هل لك أن تتصور قوة اندفاع هذا الغلام الأزدي إلى الجهاد؟ وهل لك أن تتصور أمة هكذا أبناؤها، هل تُغلب؟!

خرج لهذا الغلام المتقدم بين الصفين علج من الروم، جاء إليه على فرس أشهب، فلما رآه الغلام قصد نحوه فحمل كل منهما على صاحبه، وابتدأ الغلام الأزدي الرومي بطعنة فجندله صريعاً وأخذ جواده وعدته وسلم ذلك لرجل من قومه، وعاد إلى المبارزة فخرج إليه آخر فقتله وثالث فقتله ورابع فقتله، فخرج إليه خامس فقتل الغلام الأزدي، فغضبت الأزد، ودنت من صفوف المشركين يشدهم الحماس بعد بطولات غلامهم.

خرج بين الصفين علج من الروم وعليه درع سابغ فسأل القتال، فخرج إليه غلام، فقُتل الغلام على يد العلج، ثم رأى معاذ بن جبل فأعجبه منظره فطلبه للنـزال، فقال أبو عبيدة: يا معاذ سألتك إلاّ ثبتَّ مكانك، ولزمت رايتك، فلزومك الراية أحب إلي من قتالك هذا العلج، فوقف معاذ بالراية ونادى: “يا معشر المسلمين من أراد فرساً يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي” فجاء ولده عبد الرحمن فقال: “أنا يا أبت” وكان غلاماً لم يحتلم، فلبس السلاح وركب الجواد، وقال: “يا أبت أنا خارج إلى هذا العلج، فان صبرت فالمنّة لله عليّ، وإن قتلت فالسلام عليك! يا أبت إن كان لك إلى رسول الله حاجة فأوصني بها”، قال الأب لابنه الزاحف إلى الموت: “يا بني أقرئه مني السلام، وقل جزاك الله عن أمتك خيرا” ثم قال: “يا بني اخرج وفقك الله لما يحب ويرضى”، فخرج عبد الرحمن بن معاذ بن جبل إلى العلج كأنه شعلة نار وحمل على العلج وضربه بالسيف، فمال عنه العلج، ومال إلى عبد الرحمن وضربه على رأسه فقطع العمامة وشجه شجةً عميقة أسالت دمه، فلما رأى العلج دم عبد الرحمن ظنّ أنه قتله، فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده، فلما نظر عبد الرحمن إلى العلج وقد تأخر عنه، انثنى راجعاً إلى المسلمين، فقال له والده معاذ: “ما بك يا بني؟” قال: “قتلني العلج” قال معاذ: “ما الذي تريد من الدنيا يا بني؟” فَشَدّ عبد الرحمن جرحه ورجع لكنه استشهد قبل قتل العلج، فقال أبو عبيدة: “فمن له منكم؟ ” فخرج إليه عامر بن الطفيل الدوسي، وكان من أصحاب الرايات وممن قاتل يوم اليمامة قتالاً شديداً.

خرج عامر إلى العلج: وما هي إلا لحظات حتى ضرب العلج بسيفه على هامته حتى وصل السيف إلى أمعائه فتنكّس العلج صريعاً. خرج لعامر بن الطفيل بعد أن قتل العلج جبلة بن الأيهم قائلاً: أنا من غسان وأنا سيدها، أنا جبلة بن الأيهم الغساني، قَتَلتَ العلج فعلمتُ أنك كُفؤ، فخرجت إليك لأقتلك، وأحظى عند هرقل بقتلك، فقال عامر: إن قولك أنك ستحظى بقتلي عند مخلوق مثلك، فإني أريد أن أحظى بجهادي عند رب العالمين بقتلك، وحمل عامر على جبلة بن الأيهم والتقيا بضربتين فخرجت ضربة عامر بن الطفيل غير مُمَكّنة، وخرجت ضربة جبلة مُمَكّنة، فقطعت من قرنه إلى كتفه فسقط عامر قتيلاً، فوقف جبلة معجباً بنفسه وبما صنع، وطلب المبارزة ثانية، فخرج إليه جندب بن عامر بن الطفيل وكانت معه راية أبيه فأقبل إلى أبي عبيدة وقال: “أيها الأمير”، إن أبي قد قتل، وأريد أن آخذ بثأره أو اقتل، فادفع رايتك لمن شئت، وخرج الغلام و دنا من جبلة وقال له: “اثبت يا قاتل أبي”، فقال جبلة: “ومن أنت من المقتول؟ “. قال: “ولده” قال جبلة: “وما الذي حملكم على قتل نفوسكم، وقتل النفوس محرم؟” قال جندب: “إن قتل النفس في سبيل الله محمود عند الله، وننال به الدرجة العالية”، قال جبلة: “إني لا أريد قتلك” فقال جندب: “وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي؟ والله لا رجعت إلا أن آخذ بثأر أبي أو ألحق به”. ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما الأبصار، نظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعة فعلم أنه شديد البأس، صعب المراس، فأخذ منه حذره، وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام وقد ظهر على صاحبهم وقارنه في الحرب، فصاح بعضهم على بعض وقالوا: إن هذا الغلام الذي برز إلى سيدكم غلام نجيب، وإن تركتموه ظهر عليه، فأنجدوه ولا تدعوه، فتأهبت غسان للحملة لينقذوه، ونظر المسلمون إلى جندب وما ظهر منه ومن شجاعته وشدته ففرحوا بذلك، ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل فبكى وقال “اللهم تقبل له فعله”. قال جابر بن عبد الله: “شهدت اليرموك فما رأيت غلاماً كان أنجب من جندب بن عامر بن الطفيل حين قاتله جبلة” وكانت النتيجة أن ضرب جندب جبلة ضربة أوهنه بها، فكرّ جبلة على جندب فقتله. فصاحت قبيلة جندب واسمها “دوس”: الجنة الجنة، فحملت وحملت معها الأزد فسطروا بطولات ما بعدها بطولات.

جاء مساء اليوم الأول من القتال، ولم يقل أبو عبيدة لأحد من المسلمين من يكون الليلة حرس المسلمين لما عندهم من التعب، بل إنه قد تولى الحرس بنفسه ومعه جماعة صغيرة من المسلمين، فبينما هو يدور إذ رأى فارسين قد لقياه وهما يدوران بدورانه، فكلما قال لا إله إلا الله، قالا: محمد رسول الله، فَقَرَبَ أبو عبيدة منهما فإذا هما الزبير بن العوام وزوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق، فسلم عليهما وقال: يا ابن عمة رسول الله ما الذي أخرجكما؟ قال الزبير: نحرس المسلمين، وذلك أن أسماء قالت: إن المسلمين مشتغلون بأنفسهم في هذه الليلة عن الحرس بما لحقهم من التعب في الجهاد طوال يومهم فهل لك أن تساعدني على حرس المسلمين فأجبتها إلى ذلك، فشكرهما أبو عبيدة وعزم عليهما أن يرجعا، فلم يرجعا ولم يزالا حتى طلع الصباح.

وفي اليوم الثاني: وقف عكرمة بن أبي جهل يومئذ وقال: “قاتلتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن وأفر منكم اليوم؟” ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايع الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأربعمائة من وجوه وفرسان المسلمين، فقاتلوا في مقدمة فسطاط خالد حتى أصيبوا جميعاً بجراحات وقُتلوا إلا من برأ من جراحه ومنهم ضرار بن الأزور، وأتى خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه، ووضع رأس ولده عمرو بن عكرمة على ساقه وقد أصيب أيضاً، فرضي الله عن الأب، ورضي الله عن الابن، وجعل يمسح عن وجهيهما، ويقطر في حلقيهما الماء.

Read Full Post »