Feeds:
المقالات
تعليقات

Archive for the ‘سيرة دعوة’ Category

يوميات

في ظل تسارع هذا العالم .. حتى يظن الظان أن أمس يومه يبعد عنه كثيرًا .. لا يذكر المرء أين صلى و لا ما أكل أو من التقى .. كما أن الانجازات تختفي مع كثرة المشاغل و الملهيات و أطنان من رسائل التواصل الإلكترونية . فكنت قبل دخولي المرحلة الجامعية أكتب بعض الذكريات و بعض المواقف في سطور أو أبيات .. أو بشكل رسائل شخصية .. ثم تطور الأمر في أول سنتين في الجامعة فصرت أكتب لنفسي مجمل أحداث الأسبوع .

و في السنة الثالثة .. اخترعت طريقة أراها جيدة في حينها .. اشتريت مفكرة شخصية بربع مقاس ورق الطباعة و صرت أكتب فيها الجدول الأسبوعي ( أفقي مقسم بأوقات الصلوات و عمودي مقسم بالأيام ) و ما فعلته في كل وقت – بغض النظر إذا كان هناك إنجاز أو لا – .. و كذلك الأفكار و الخواطر و ما أحضره من دروس و محاضرات و المهام اليومية و الأسبوعية .. و حلول بعض مسائل الرياضيات الفنية .. و أرسم – أحيانًا – بعض النقشات و مسودات التصاميم .. كما تحتوي المفكرة على المواعيد المهمة و طلبات الإخوان .. و فوائد القراءة و الإطلاع و أسماء الكتب و عناوين الأشرطة .. الخ . و استمريت على هذا النحو قرابة الثلاث سنين .

و بعد التخرج .. تغير وضعي قليلاً بشأن ترتيب الوقت و كثيرًا بالنسبة للأشغال .. فاعتمدت على طريقة مغايرة .. فكنت أجدول الأسبوعي على ورق الطباعة العادي .. و اجعل خانة على يسار الجدول للمهام و الملاحظات و القراءة .. و كنت أحمل مفكرة بحجم ثُمن ورق الطباعة .. أستخدمها لتسجيل الملاحظات و الخواطر و المهام المستعجلة .. كذلك في انتزاع الأوراق منها 🙂 .. حتى قل حجمها بشكل ملحوظ !!

ثم انتقلت أخيرًا إلى فكرة أعجبتني .. خصوصًا بعد اقتناء جهاز جوال يدعم آخر التقنيات .. فصرت أسجل المواعيد في أوقاتها في تقويم الجوال و وضع التنبيه المناسب و مشاركة الموعد ببريد المتواعدين ، ثم عمل مزامنة مع موقع التقويم المشهور لحفظها من الضياع لا قدر الله .. كذلك أقيد الإنجازات و مشاغل الوظيفة و طلباتها في كتاب الأجندة ( الذي توزعه لنا الشركة ) .. و على جانب آخر أكتب أهم حدث حصل في اليوم و متابعة القراءة و المراجعة و الورد في ملف الجدولة المشهور .

لقد استفدت كثيرًا من هذه المتابعة الدقيقة لنشاطي اليومي .. فكثير لا أهتم بما قد حصل ( قد حصل و انتهى ) سواء الجيد و غير الجيد !! لكن بعد هذه المتابعة .. صرت أحلل طريقتي في توزيع الوقت و ترتيبه .. و صرت أدرك كثيرًا من الفنيات في التعامل مع الآخرين بشأن الوقت .. كما صرت أهتم بالمواعيد و أحاول الضن بالوقت لمصلحتي .

كما أن لدي ملاحظات قيمة وممتعة و ذكريات ماتعة لجميع الأيام بحمد الله .. لأني أهتم بالذكريات .. كما صرت أدرك ما معنى الفرق بين ( الإهمال ) و ( الاهتمام ) .. و صرت أحاول تطوير نقاط الضعف و التي ظهرت من تراكم المعلومات .

و الآن .. و بعد مضي خمس سنوات من تدوين شامل ( و ليس دقيق ) لأجزاء من حياتي .. أتمنى ممن يشاركوني حياتي أن يكتبوا حياتهم .. حتى يدركوا مقدار التطور الذي حصل لشخصياتهم بين الفينة و الأخرى .. كما أتمنى من أصدقائي و زملائي الأعزاء اختراع فكرة جديدة لتدوين أهم انجازاتهم اليومية .. فربما يحتاجها في يوم من الأيام . حاليًا سأسعى لتطوير أسلوبي لكن لا بد أن تكون فكرة جديدة .

Advertisements

Read Full Post »

معركة من أقوى معارك الإسلام التي شهدت من البطولات ما يجعلها أقرب إلى الخيال وهي الحقيقة واليقين، كيف لا يسطر التاريخ هذه البطولات وأصحابها خرجوا للشهادة وللشهادة فحسب، كيف لا يحققون نصراً تلو النصر على مر الزمن وكل فرد منهم على تواضعه عظيم في ذاته، فكان الفرد يفعل الفعلة التي تكسبه مجداً وشهرةً أبد الدهر، ثم يخفي اسمه ولا يعلنه قانعاً بثواب الله سبحانه وكفى.

رتب خالد الجيش ولأول مرة في تاريخ حروب المسلمين استخدم خالد طريقة الكراديس، وهو تقسيم الجيش إلى كتائب كبيرة وصغيرة يجعله مرن الحركة، مرتبطاً جنديه بأميره، وأميره بالقائد العام. وقال: “إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة تعبئة أكثر من رأي العين من الكراديس”. فاستخدم نظام الأجنحة قلب وميمنة وميسرة الذي عرفه العجم قديماً ثم طوره خالد بنظام الكراديس فوزع كل جناح إلى عدة كراديس، فجعل أبو عبيدة قائداً على القلب وتحته ثمانية عشر كردوساً، وعلى كل كردوس أمير. وجعل على الميمنة عمرو بن العاص وتحته أحد عشر كردوساً، على كل كردوس منها أمير. وجعل على الميسرة يزيد بن أبي سفيان وتحته تسعة كراديس، على كل كردوس أمير. أما القاضي فكان أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب يحمّس الناس على الروم، وكان على الطلائع قباث بن أشيم، وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود، وكان القارئ المقداد بن عمرو، وكانت السنة التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند لقاء العدو وهي سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك. وقد قرئت هذه السورة في اليرموك من قِبل المقداد بن عمرو، وما أدراك من المقداد؟ إنه بألف رجل في إيمانه وقوته،  فشعَّت هذه المعاني نوراً في قلوب المجاهدين.

نظر المسلمون إلى رايات الروم تقترب منهم وتدنو، فقال أبو عبيدة -أمين هذه الأمة-: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” ثم قال: “أين أبو سليمان خالد بن الوليد”؟ فأجابه خالد بالتلبية، فقال أبو عبيدة: “أنت لها يا أبا سليمان” فابرز في أبطال المسلمين، وصد عن الحريم، وخذ صفوة الرجال واستعد للحرب بآلاتها، فقال: “حباً وكرامة” ونادى خالد: أين الزبير بن العوام؟ أين عبد الرحمن بن أبي بكر؟ أين الفضل بن العباس؟ أين يزيد بن أبي سفيان؟ أين ميسرة بن مسروق العبسي؟ أين مسرّة بن قيس بن عبد الله الجهني؟ أين صخر بن حرب الأموي؟ أين عمارة الدوسي؟ أين عبد الله بن سلام؟ أين غانم الغنوي؟ أين المقداد بن الأسود؟ أين أبو ذر الغفاري؟ أين عمرو بن معد يكرب الزبيدي؟ أين عمار بن ياسر العبسي؟ أين ضرار بن الأزور؟ أين عامر بن الطفيل؟ أين أبان بن عثمان بن عفان؟ وجعل خالد يدعوهم رجلاً بعد رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهؤلاء كل واحد منهم يلقى فئة كثيرة، فكيف إذا اجتمعوا؟ جمعهم خالد ليضربوا عدوهم الضربة القاضية.

قال ورقة بن مهلهل التنوخي: “وكان صاحب راية أبي عبيدة في اليرموك كان من أوائل من افتتحوا الحرب غلام من الأزد حدثاً كيساً قال لأبي عبيدة: “أيها الأمير إني أردت أن أشفي قلبي وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق الشهادة، فهل تأذن لي في ذلك وإن كان لك حاجة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرني بها” فبكى أبو عبيدة وقال: “أقرئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام وأخبره أنّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا” ثم اندفع الغلام! هل لك أن تتصور قوة اندفاع هذا الغلام الأزدي إلى الجهاد؟ وهل لك أن تتصور أمة هكذا أبناؤها، هل تُغلب؟!

خرج لهذا الغلام المتقدم بين الصفين علج من الروم، جاء إليه على فرس أشهب، فلما رآه الغلام قصد نحوه فحمل كل منهما على صاحبه، وابتدأ الغلام الأزدي الرومي بطعنة فجندله صريعاً وأخذ جواده وعدته وسلم ذلك لرجل من قومه، وعاد إلى المبارزة فخرج إليه آخر فقتله وثالث فقتله ورابع فقتله، فخرج إليه خامس فقتل الغلام الأزدي، فغضبت الأزد، ودنت من صفوف المشركين يشدهم الحماس بعد بطولات غلامهم.

خرج بين الصفين علج من الروم وعليه درع سابغ فسأل القتال، فخرج إليه غلام، فقُتل الغلام على يد العلج، ثم رأى معاذ بن جبل فأعجبه منظره فطلبه للنـزال، فقال أبو عبيدة: يا معاذ سألتك إلاّ ثبتَّ مكانك، ولزمت رايتك، فلزومك الراية أحب إلي من قتالك هذا العلج، فوقف معاذ بالراية ونادى: “يا معشر المسلمين من أراد فرساً يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي” فجاء ولده عبد الرحمن فقال: “أنا يا أبت” وكان غلاماً لم يحتلم، فلبس السلاح وركب الجواد، وقال: “يا أبت أنا خارج إلى هذا العلج، فان صبرت فالمنّة لله عليّ، وإن قتلت فالسلام عليك! يا أبت إن كان لك إلى رسول الله حاجة فأوصني بها”، قال الأب لابنه الزاحف إلى الموت: “يا بني أقرئه مني السلام، وقل جزاك الله عن أمتك خيرا” ثم قال: “يا بني اخرج وفقك الله لما يحب ويرضى”، فخرج عبد الرحمن بن معاذ بن جبل إلى العلج كأنه شعلة نار وحمل على العلج وضربه بالسيف، فمال عنه العلج، ومال إلى عبد الرحمن وضربه على رأسه فقطع العمامة وشجه شجةً عميقة أسالت دمه، فلما رأى العلج دم عبد الرحمن ظنّ أنه قتله، فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده، فلما نظر عبد الرحمن إلى العلج وقد تأخر عنه، انثنى راجعاً إلى المسلمين، فقال له والده معاذ: “ما بك يا بني؟” قال: “قتلني العلج” قال معاذ: “ما الذي تريد من الدنيا يا بني؟” فَشَدّ عبد الرحمن جرحه ورجع لكنه استشهد قبل قتل العلج، فقال أبو عبيدة: “فمن له منكم؟ ” فخرج إليه عامر بن الطفيل الدوسي، وكان من أصحاب الرايات وممن قاتل يوم اليمامة قتالاً شديداً.

خرج عامر إلى العلج: وما هي إلا لحظات حتى ضرب العلج بسيفه على هامته حتى وصل السيف إلى أمعائه فتنكّس العلج صريعاً. خرج لعامر بن الطفيل بعد أن قتل العلج جبلة بن الأيهم قائلاً: أنا من غسان وأنا سيدها، أنا جبلة بن الأيهم الغساني، قَتَلتَ العلج فعلمتُ أنك كُفؤ، فخرجت إليك لأقتلك، وأحظى عند هرقل بقتلك، فقال عامر: إن قولك أنك ستحظى بقتلي عند مخلوق مثلك، فإني أريد أن أحظى بجهادي عند رب العالمين بقتلك، وحمل عامر على جبلة بن الأيهم والتقيا بضربتين فخرجت ضربة عامر بن الطفيل غير مُمَكّنة، وخرجت ضربة جبلة مُمَكّنة، فقطعت من قرنه إلى كتفه فسقط عامر قتيلاً، فوقف جبلة معجباً بنفسه وبما صنع، وطلب المبارزة ثانية، فخرج إليه جندب بن عامر بن الطفيل وكانت معه راية أبيه فأقبل إلى أبي عبيدة وقال: “أيها الأمير”، إن أبي قد قتل، وأريد أن آخذ بثأره أو اقتل، فادفع رايتك لمن شئت، وخرج الغلام و دنا من جبلة وقال له: “اثبت يا قاتل أبي”، فقال جبلة: “ومن أنت من المقتول؟ “. قال: “ولده” قال جبلة: “وما الذي حملكم على قتل نفوسكم، وقتل النفوس محرم؟” قال جندب: “إن قتل النفس في سبيل الله محمود عند الله، وننال به الدرجة العالية”، قال جبلة: “إني لا أريد قتلك” فقال جندب: “وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي؟ والله لا رجعت إلا أن آخذ بثأر أبي أو ألحق به”. ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما الأبصار، نظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعة فعلم أنه شديد البأس، صعب المراس، فأخذ منه حذره، وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام وقد ظهر على صاحبهم وقارنه في الحرب، فصاح بعضهم على بعض وقالوا: إن هذا الغلام الذي برز إلى سيدكم غلام نجيب، وإن تركتموه ظهر عليه، فأنجدوه ولا تدعوه، فتأهبت غسان للحملة لينقذوه، ونظر المسلمون إلى جندب وما ظهر منه ومن شجاعته وشدته ففرحوا بذلك، ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل فبكى وقال “اللهم تقبل له فعله”. قال جابر بن عبد الله: “شهدت اليرموك فما رأيت غلاماً كان أنجب من جندب بن عامر بن الطفيل حين قاتله جبلة” وكانت النتيجة أن ضرب جندب جبلة ضربة أوهنه بها، فكرّ جبلة على جندب فقتله. فصاحت قبيلة جندب واسمها “دوس”: الجنة الجنة، فحملت وحملت معها الأزد فسطروا بطولات ما بعدها بطولات.

جاء مساء اليوم الأول من القتال، ولم يقل أبو عبيدة لأحد من المسلمين من يكون الليلة حرس المسلمين لما عندهم من التعب، بل إنه قد تولى الحرس بنفسه ومعه جماعة صغيرة من المسلمين، فبينما هو يدور إذ رأى فارسين قد لقياه وهما يدوران بدورانه، فكلما قال لا إله إلا الله، قالا: محمد رسول الله، فَقَرَبَ أبو عبيدة منهما فإذا هما الزبير بن العوام وزوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق، فسلم عليهما وقال: يا ابن عمة رسول الله ما الذي أخرجكما؟ قال الزبير: نحرس المسلمين، وذلك أن أسماء قالت: إن المسلمين مشتغلون بأنفسهم في هذه الليلة عن الحرس بما لحقهم من التعب في الجهاد طوال يومهم فهل لك أن تساعدني على حرس المسلمين فأجبتها إلى ذلك، فشكرهما أبو عبيدة وعزم عليهما أن يرجعا، فلم يرجعا ولم يزالا حتى طلع الصباح.

وفي اليوم الثاني: وقف عكرمة بن أبي جهل يومئذ وقال: “قاتلتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن وأفر منكم اليوم؟” ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايع الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأربعمائة من وجوه وفرسان المسلمين، فقاتلوا في مقدمة فسطاط خالد حتى أصيبوا جميعاً بجراحات وقُتلوا إلا من برأ من جراحه ومنهم ضرار بن الأزور، وأتى خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه، ووضع رأس ولده عمرو بن عكرمة على ساقه وقد أصيب أيضاً، فرضي الله عن الأب، ورضي الله عن الابن، وجعل يمسح عن وجهيهما، ويقطر في حلقيهما الماء.

Read Full Post »

أم عمارة

شهدت معركة أحد .. و أبلت بلاءً حسناً حيث هرب الناس من حول رسول الله ولم يبقى معه إلا نفر لا يزيدون عن العشرة . و انكشف رسول الله أمام أعدائه ، وبقيت نسيبة و زوجها غزية و ولداها تذب عن رسول الله  .. و الناس يمرون منهزمين ، كانت تقاتل بالسيف و ليس في يدها ترس تحمي به نفسها ، فيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يركض هاربًا و بيده ترس ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” ألق ِ ترسك لمن يقاتل فألقاه ، فقالت نسيبة : ” فأخذت الترس فجعلت أترُس به عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد فعل بنا الخيالة الأفاعيل !! و لو كانت معنا خيل لما نال منا أحد من أعداء الله ، وكنت أضرب عراقيل الخيل، فيسقط عنها الرجال، وكنت أعلوهم بالسيف ” .

و تستكمل أم عمارة حديثها : ” و جاء فارس من خلفي سريعاً .. يريد قتلي .. فنادى رسول الله صلى الله عليه و سلم ولدي و يقول : ” يا ابن أم عمارة أمك .. أمك ” ، فاستقبله ولدي .. فعاونني عليه فأوردته حتى الموت ، و قد جرح ولدي و كان الدم ينزف منه ” .. يقول ولدها : ” فأتت أمي ومعها عصائب كانت تعصب بها الجرحى ، فربطت جرحي وهي تقول : ” لا عليك ما نلاقيه في سبيل الله ” . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” انهض يا بني ” .. فقمت كأنني لم أصب ، و إذا بالذي ضربني يمر ، فقال رسول الله : ” يا أم عمارة .. هذا ضارب ولدك ” . فقامت إليه أمي .. فاعترضت له فضربت ساقه فبرك ، ثم علت هامته بالسيف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الحمد الله الذي نصرك عليه ” ..  “.

وبقيت أم عمارة تذود عن رسول الله ، و قد أصيبت بعدة جراح ، و كانت قد أصيبت بجرح بليغ و أخذ الدم ينزف من عاتقها ، فنادى رسول الله صلى الله عليه و سلم ولدها عبدالله قائلاً : ” يا عبدالله اعصب جرح أمك ” ، وأخذ رسول الله يقول : ” اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ” ، و أخذت أم عمارة تقول : ” و ماذا عليّ ما أصابني من الدنيا ” .. فقال رسول الله : ” من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟! ” .

و شهدت كذلك يوم الحديبية.. و يوم حنين .. و يوم اليمامة .. و كانت في كل هذه المواقف تظهر بسالة منقطعة النظير .. هذه نسيبة بنت كعب ( أم عمارة ) تقطع يدها يوم معركة اليمامة ، و عادت وفي جسدها إحدى عشرة جرحًا.. و قدمت المدينة المنورة و بها جراحها وهي تقول:  ” و ماذا فاتني من الدنيا إذا كنت مع رسول الله في جنات النعيم ” . و يكفي أم عمارة فخراً أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لها : ” يا أم عمارة ، أنت عند الله خير من فلان و فلان ” .. رجال من الصحابة سماهم .

و كانت أم سعد بنت سعد بن ربيع تقول : ” دخلت عليها فقلت لها : يا خالة حدثيني خبرك ؟ . فقالت : ” خرجت أول النهار إلى أحد .. و أنا أنظر ما يصنع الناس .. و معي سقاء فيه ماء .. فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو في أصحابه .. و الدولة و الربح للمسلمين .. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فجعلت أباشر القتال و أذب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسيف و أرمي بالقوس .. حتى خلصت إليّ الجراح ” . فرأيت على عاتقها جرحًا له غور أجوف فقلت : يا أم عمارة من أصابك بهذا ؟ قالت : ” أقبل ابن قميئة و قد ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يصيح ..  ” دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا ” .. فاعترض له مصعب بن عمير و أناس معه فكنت فيهم .. فضربني هذه الضربة .. و لقد ضربته على ذلك ضربات و لكن عدو الله كان عليه درعان ” .

قلت ( أم سعد ) : يدك ما أصابها ؟ قالت : ” أصيبت يوم اليمامة لما جعلت الأعراب ينهزمون بالناس نادت الأنصار : ” أخلصونا ” ; فأخلصت الأنصار ، فكنت معهم حتى انتهينا إلى حديقة الموت .. فاقتتلنا عليها ساعة حتى قتل أبو دجانة على باب الحديقة .. و دخلتها .. و أنا أريد عدو الله مسيلمة .. فيعترض لي رجل منهم .. فضرب يدي فقطعها ، فوالله ما كانت لي ناهية و لا عرجت عليها .. حتى وقفت على الخبيث مقتولاً ، وابني عبد الله بن زيد المازني يمسح سيفه بثيابه . فقلت : ” قتلته ؟ ” قال ” نعم ” . فسجدت شكرًا لله ” .. ” .

و كان ضمرة بن سعيد يحدث عن جدته و كانت قد شهدت أحدًا تسقي الماء قالت : ” سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : ” لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان و فلان ” و كان يراها تقاتل يومئذ أشد القتال .. و إنها لحاجزة ثوبها على وسطها ، حتى جرحت ثلاثة عشر جرحًا ” .

حدث يعقوب بن محمد عن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال : ” أتي عمر بن الخطاب بمروط فكان فيها مرط واسع جيد .. فقال بعضهم إن هذا المرط بثمن كذا و كذا ، فلو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد .. فقال : ” أبعث به إلى من هو أحق منها ، أم عمارة نسيبة بنت كعب . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد يقول: ” ما التفت يمينًا و لا شمالاً .. إلا و أنا أراها تقاتل دوني ” .. ” .. ” .

Read Full Post »

اقتباس

يقول الجبرتي – رحمه الله – في حوادث شهر شعبان سنة 1213 هـ :

” لما وردت أخبار الفرنسيين إلى الحجاز و أنهم ملكوا الديار المصرية ، انزعج أهل الحجاز و ضجوا بالحرم ، و أن هذا الشيخ الكيلاني صار يعظ الناس و يدعوهم للجهاد ، و يحرضهم على نصرة الحق و الدين ، فاتعظ جملة من الناس و بذلوا أموالهم و أنفسهم ، و اجتمع نحو ست مئة من المجاهدين و ركبوا البحر إلى القيصر مع من انضم إليهم من أهل ينبع و خلافه . و كان مسلمو الحجاز خصومًا أشد للجنرال ” ديزيه ” – الذي عهد إليه ” بونابرت ” غزو الصعيد و القضاء على قوات الجهاد بقيادة ” مراد بك ” – و قد صمموا على الظفر بإحدى الحسنيين: الاستشهاد أو النصر ، و اتخذوا شعار لهم الآية القرآنية : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . و تكونت منهم و من مسلمي الوجه القبلي في مصر و خاصة عرب الهراوة و أهالي النوبة و قوات ” مراد بك ” جبهة حربية إسلامية في مواجهة جبهة حربية نصرانية كانت تتألف من القوات الفرنسية ، و النهرية و البرية و الفيالق القبطية بقيادة المعلم ” يعقوب يوحنا ” في الجيش الفرنسي ” أهـ .

قلت : هكذا يكون المؤمنون دائمًا .

Read Full Post »

فلما كان الليل نقبوا ذلك البيت فدخلوا فوجدوا فيه سراجًا تحت جفنة. فتقدم فيروز الديلمي، والأسود نائم على فراش من حرير قد غرق رأسه في جسده – و هو سكران – يغط والمرأة جالسة عنده. فلما قام فيروز على الباب؛ أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه وهو مع ذلك يغط فقال: مالي ومالك يا فيروز ؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة. فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله. ثم قام ليخرج إلى أصحابه ليخبرهم فأخذت المرأة بذيله وقالت: أين تذهب عن حرمتك ؟ فظنت أنها لم تقتله. فقال أخرج لأعلمهم بقتله. فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه.. فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه، فاحتز الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط.. فابتدر الحرس إلى المقصورة فقالوا: ما هذا.. ما هذا.. ؟؟!! فقالت المرأة: النبي يوحي إليه !! فرجعوا.

وجلس قيس داذويه و فيروز يأتمرون كيف يعملون أشياعهم. فاتفقوا على: أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين. فلما كان الصباح، قام أحدهم – و هو قيس – على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال وبر بن يحنش الأذان: أشهد أن محمدًّا رسول الله وأن عبهلة كذاب.. وألقى إليهم رأسه، فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الإسلام وأهله وتراجع نواب رسول الله إلى أعمالهم.

وكتبوا بالخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه توفي عليه السلام قبل وصول الكتاب، و قد أطلعه الله على الخبر من ليلته كما قال ابن عمر: أتى الخبر إلى النبي من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي ليبشرنا؛ فقال: قتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين. قيل: و من ؟ قال: فيروز.. فيروز.

قلت: و مما يستفاد تطبيق أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم و الطاعة بالطاقة، و الإيمان بالعقيدة الإسلامية، و حسن التدبير و فضل الاجتماع، و التأمير و لو على الاثنين، و الحرب خدعة و مكيدة، و المداهنة و المداراة، و إرسال البشرى، و الإعلام بالأذان، و أهمية الشورى، و صون حمى الشريعة و ديار التوحيد، و حفظ أمن الناس و ديارهم و معتقداتهم، و جواز التجسس على الكفار لمصلحة المسلمين، و قبول الهدية من الكافر، و التفريق بين المحارب و المعاهد و صاحب الشبهة، و ما إلى ذلك من الفوائد.. و الله أعلم.

Read Full Post »

قال قيس: فدخلت على امرأته أزاذ، فقلت: يا ابنة عمي قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك.. قتل زوجك.. وطأطأ في قومك القتل.. وفضح النساء.. فهل عندك ممالأة عليه ؟

قالت: على أي أمر ؟

قلت: إخراجه..

قالت: أو قتله !!

قلت: أو قتله.

قالت: نعم والله ما خلق الله شخصا هو أبغض إلي منه فما يقوم لله علي حق ولا ينتهي له عن حرمة فإذا عزمتم.. أخبروني أعلمكم بما في هذا الأمر.

قال قيس: فخرجت فإذا فيروز و داوذيه ينتظراني يريدون أن يناهضوه. فما استقر اجتماعه بهما حتى بعث إليه الأسود. فدخل في عشرة من قومه. فقال الأسود: ألم أخبرك بالحق وتخبرني بالكذابة إنه يقال يا سوأة يا سوأة إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا !! حتى ظن قيس أنه قاتله فقال: إنه ليس من الحق أن أهلك وأنت رسول الله فقتلي أحب إلي من موتات أموتها كل يوم. فرقّ له وأمره بالانصراف.

فخرج إلى أصحابه فقال: اعملوا عملكم. فبينما هم وقوف بالباب يتشاورون؛ إذ خرج الأسود عليهم وقد جمع له مائة ما بين بقرة وبعير. فقام وخط خطًا وأقيمت من ورائه وقام دونها فنحرها غير محبسة ولا معلقة ما يقتحم الخط منها شيء، فجالت إلى أن زهقت أرواحها. قال قيس: فما رأيت أمرًا كان أفظع منه ولا يومًا أوحش منه. ثم قال الأسود: أحق ما بلغني عنك يا فيروز؛ لقد هممت أن أنحرك فألحقك بهذه البهيمة. وأبدى له الحربة.

فقال له فيروز: اخترتنا لصهرك وفضلتنا على الأبناء، فلو لم تكن نبيًّا ما بعنا نصيبنا منك بشيء، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمر الآخرة والدنيا ؟ فلا تقبل علينا أمثال ما يبلغك.. فأنا بحيث تحب. فرضي عنه وأمره بقسم لحوم تلك الأنعام ففرقها فيروز في أهل صنعاء. ثم أسرع اللحاق به؛ فإذا رجل يحرضه على فيروز ويسعى إليه فيه، واستمع له فيروز فإذا الأسود يقول: أنا قاتله غدًا وأصحابه، فاغد علي به. ثم التفت فإذا فيروز فقال: مه !! فأخبره فيروز بما صنع من قسم ذلك اللحم. فدخل الأسود داره، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمع و بما قال وقيل له. فاجتمع رأيهم على أن عاودوا المرأة في أمره.

فدخل أحدهم – و هو فبروز – إليها، فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به غير هذا البيت فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه من دون الحرس وليس من دون قتله شيء، وإني سأضع في البيت سراجًا وسلاحًا. فلما خرج من عندها تلقاه الأسود فقال له: ما أدخلك على أهلي ؟ و وجأ رأسه. وكان الأسود شديدًا.. فصاحت المرأة فأدهشته عنه – ولولا ذلك لقتله – و قالت: ابن عمي جاءني زائرًا. فقال: اسكتي لا أبا لك.. قد وهبته لك. فخرج على أصحابه فقال: النجاء.. النجاء. وأخبرهم الخبر، فحاروا ماذا يصنعون. فبعثت المرأة إليهم تقول لهم: لا تنثنوا عما كنتم عازمين عليه. فدخل عليها فيروز الديلمي فاستثبت منها الخبر. ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا داخله بطائن ليهون عليهم النقب من خارج، ثم جلس عندها جهرة كالزائر، فدخل الأسود فقال: و ما هذا ؟ فقالت: إنه أخي من الرضاعة وهو ابن عمي. فنهره وأخرجه. فرجع إلى أصحابه.

( يتبع )

Read Full Post »

قال ابن كثير في أحداث الكذاب الأسود في اليمن ( بتصرف ):

واشتد ملكه واستغلظ أمره وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية. وكان خليفته على مذحج عمرو بن معدي كرب واسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الديلمي وداذويه. وتزوج بامرأة شهر بن باذام بعد أن قتله، وهي ابنة عم فيروز الديلمي واسمها أزاذ. وكانت امرأة حسناء جميلة وهي مع ذلك مؤمنة بالله ورسوله محمد ومن الصالحات.

قال سيف بن عمر التميمي: وبعث رسول الله كتابه حين بلغه خبر الأسود العنسي مع رجل يقال له وبر بن يحنس الديلمي يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العنسي و مصاولته وقام معاذ بن جبل بهذا الكتاب أتم القيام. وكان قد تزوج امرأة من السكون يقال لها رملة، فحزبت عليه السكون لصبره فيهم، وقاموا معه في ذلك وبلغوا هذا الكتاب إلى عمال النبي صلى الله عليه و سلم، و من قدروا عليه من الناس.

و اتفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجند، وكان قد غضب عليه الأسود واستخف به وهم بقتله، وكذلك كان أمر فيروز الديلمي قد ضعف عنده أيضًا وكذا داوذيه. فلما أعلم وبرُ بن نحيس قيسَ بن عبد يغوث – وهو قيس بن مكشوح – كان كأنما نزلوا عليه من السماء، و وافقهم على الفتك بالأسود. و توافق المسلمون على ذلك وتعاقدوا عليه. فلما أيقن ذلك في الباطن؛ اطلع شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك، فدعا قيس بن مكشوح..

فقال له: يا قيس ما يقول هذا ؟

قال: وما يقول ؟

قال: يقول عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل وصار في العز مثلك مال ميل عدوك وحاول ملكك وأضمر على الغدر، إنه يقول: يا أسود يا أسود.. يا سوآه يا سوآه.. فطف به وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك وقطف قلبك.

فقال له قيس وحلف له: كذب وذي الخمار لأنت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي.

فقال له الأسود: ما أخالك تكذب الملك فقد صدق الملك وعرف الآن أنك تائب عما اطلع عليه منك.

ثم خرج قيس من بين يديه فجاء إلى أصحابه – فيروز و داوذيه – وأخبرهم بما قال له ورد عليه، فقالوا: إنا كلنا على حذر فما الرأي ؟ فبينما هم يتشاورون إذ جاءهم رسوله فأحضرهم بين يديه.

فقال الأسود: ألم أشرفكم على قومكم ؟

قالوا: بلى.

قال: فماذا يبلغني عنكم ؟

فقالوا: أقلنا مرتنا هذه !

فقال: لا يبلغني عنكم فأقيلكم.

قال : فخرجنا من عنده ولم نكد وهو في ارتياب من أمرنا ونحن على خطر فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتب من عامر بن شهر أمير همدان وذي ظليم وذي كلاع وغيرهم من أمراء اليمن يبذلون لنا الطاعة والنصر على مخالفة الأسود وذلك حين جاءهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يحثهم على مصاولة الأسود العنسي. فكتبنا إليهم: ألا يحدثوا شيئا حتى نبرم الأمر.

( يتبع )

Read Full Post »

Older Posts »