Feeds:
المقالات
تعليقات

صور من اليرموك

معركة من أقوى معارك الإسلام التي شهدت من البطولات ما يجعلها أقرب إلى الخيال وهي الحقيقة واليقين، كيف لا يسطر التاريخ هذه البطولات وأصحابها خرجوا للشهادة وللشهادة فحسب، كيف لا يحققون نصراً تلو النصر على مر الزمن وكل فرد منهم على تواضعه عظيم في ذاته، فكان الفرد يفعل الفعلة التي تكسبه مجداً وشهرةً أبد الدهر، ثم يخفي اسمه ولا يعلنه قانعاً بثواب الله سبحانه وكفى.

رتب خالد الجيش ولأول مرة في تاريخ حروب المسلمين استخدم خالد طريقة الكراديس، وهو تقسيم الجيش إلى كتائب كبيرة وصغيرة يجعله مرن الحركة، مرتبطاً جنديه بأميره، وأميره بالقائد العام. وقال: “إن عدوكم قد كثر وطغى وليس من التعبئة تعبئة أكثر من رأي العين من الكراديس”. فاستخدم نظام الأجنحة قلب وميمنة وميسرة الذي عرفه العجم قديماً ثم طوره خالد بنظام الكراديس فوزع كل جناح إلى عدة كراديس، فجعل أبو عبيدة قائداً على القلب وتحته ثمانية عشر كردوساً، وعلى كل كردوس أمير. وجعل على الميمنة عمرو بن العاص وتحته أحد عشر كردوساً، على كل كردوس منها أمير. وجعل على الميسرة يزيد بن أبي سفيان وتحته تسعة كراديس، على كل كردوس أمير. أما القاضي فكان أبو الدرداء، وكان القاص أبو سفيان بن حرب يحمّس الناس على الروم، وكان على الطلائع قباث بن أشيم، وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود، وكان القارئ المقداد بن عمرو، وكانت السنة التي سنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد بدر أن تقرأ سورة الجهاد عند لقاء العدو وهي سورة الأنفال، ولم يزل الناس بعد ذلك على ذلك. وقد قرئت هذه السورة في اليرموك من قِبل المقداد بن عمرو، وما أدراك من المقداد؟ إنه بألف رجل في إيمانه وقوته،  فشعَّت هذه المعاني نوراً في قلوب المجاهدين.

نظر المسلمون إلى رايات الروم تقترب منهم وتدنو، فقال أبو عبيدة -أمين هذه الأمة-: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” ثم قال: “أين أبو سليمان خالد بن الوليد”؟ فأجابه خالد بالتلبية، فقال أبو عبيدة: “أنت لها يا أبا سليمان” فابرز في أبطال المسلمين، وصد عن الحريم، وخذ صفوة الرجال واستعد للحرب بآلاتها، فقال: “حباً وكرامة” ونادى خالد: أين الزبير بن العوام؟ أين عبد الرحمن بن أبي بكر؟ أين الفضل بن العباس؟ أين يزيد بن أبي سفيان؟ أين ميسرة بن مسروق العبسي؟ أين مسرّة بن قيس بن عبد الله الجهني؟ أين صخر بن حرب الأموي؟ أين عمارة الدوسي؟ أين عبد الله بن سلام؟ أين غانم الغنوي؟ أين المقداد بن الأسود؟ أين أبو ذر الغفاري؟ أين عمرو بن معد يكرب الزبيدي؟ أين عمار بن ياسر العبسي؟ أين ضرار بن الأزور؟ أين عامر بن الطفيل؟ أين أبان بن عثمان بن عفان؟ وجعل خالد يدعوهم رجلاً بعد رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهؤلاء كل واحد منهم يلقى فئة كثيرة، فكيف إذا اجتمعوا؟ جمعهم خالد ليضربوا عدوهم الضربة القاضية.

قال ورقة بن مهلهل التنوخي: “وكان صاحب راية أبي عبيدة في اليرموك كان من أوائل من افتتحوا الحرب غلام من الأزد حدثاً كيساً قال لأبي عبيدة: “أيها الأمير إني أردت أن أشفي قلبي وأجاهد عدوي وعدو الإسلام، وأبذل نفسي في سبيل الله تعالى لعلي أرزق الشهادة، فهل تأذن لي في ذلك وإن كان لك حاجة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأخبرني بها” فبكى أبو عبيدة وقال: “أقرئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مني السلام وأخبره أنّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا” ثم اندفع الغلام! هل لك أن تتصور قوة اندفاع هذا الغلام الأزدي إلى الجهاد؟ وهل لك أن تتصور أمة هكذا أبناؤها، هل تُغلب؟!

خرج لهذا الغلام المتقدم بين الصفين علج من الروم، جاء إليه على فرس أشهب، فلما رآه الغلام قصد نحوه فحمل كل منهما على صاحبه، وابتدأ الغلام الأزدي الرومي بطعنة فجندله صريعاً وأخذ جواده وعدته وسلم ذلك لرجل من قومه، وعاد إلى المبارزة فخرج إليه آخر فقتله وثالث فقتله ورابع فقتله، فخرج إليه خامس فقتل الغلام الأزدي، فغضبت الأزد، ودنت من صفوف المشركين يشدهم الحماس بعد بطولات غلامهم.

خرج بين الصفين علج من الروم وعليه درع سابغ فسأل القتال، فخرج إليه غلام، فقُتل الغلام على يد العلج، ثم رأى معاذ بن جبل فأعجبه منظره فطلبه للنـزال، فقال أبو عبيدة: يا معاذ سألتك إلاّ ثبتَّ مكانك، ولزمت رايتك، فلزومك الراية أحب إلي من قتالك هذا العلج، فوقف معاذ بالراية ونادى: “يا معشر المسلمين من أراد فرساً يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي” فجاء ولده عبد الرحمن فقال: “أنا يا أبت” وكان غلاماً لم يحتلم، فلبس السلاح وركب الجواد، وقال: “يا أبت أنا خارج إلى هذا العلج، فان صبرت فالمنّة لله عليّ، وإن قتلت فالسلام عليك! يا أبت إن كان لك إلى رسول الله حاجة فأوصني بها”، قال الأب لابنه الزاحف إلى الموت: “يا بني أقرئه مني السلام، وقل جزاك الله عن أمتك خيرا” ثم قال: “يا بني اخرج وفقك الله لما يحب ويرضى”، فخرج عبد الرحمن بن معاذ بن جبل إلى العلج كأنه شعلة نار وحمل على العلج وضربه بالسيف، فمال عنه العلج، ومال إلى عبد الرحمن وضربه على رأسه فقطع العمامة وشجه شجةً عميقة أسالت دمه، فلما رأى العلج دم عبد الرحمن ظنّ أنه قتله، فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده، فلما نظر عبد الرحمن إلى العلج وقد تأخر عنه، انثنى راجعاً إلى المسلمين، فقال له والده معاذ: “ما بك يا بني؟” قال: “قتلني العلج” قال معاذ: “ما الذي تريد من الدنيا يا بني؟” فَشَدّ عبد الرحمن جرحه ورجع لكنه استشهد قبل قتل العلج، فقال أبو عبيدة: “فمن له منكم؟ ” فخرج إليه عامر بن الطفيل الدوسي، وكان من أصحاب الرايات وممن قاتل يوم اليمامة قتالاً شديداً.

خرج عامر إلى العلج: وما هي إلا لحظات حتى ضرب العلج بسيفه على هامته حتى وصل السيف إلى أمعائه فتنكّس العلج صريعاً. خرج لعامر بن الطفيل بعد أن قتل العلج جبلة بن الأيهم قائلاً: أنا من غسان وأنا سيدها، أنا جبلة بن الأيهم الغساني، قَتَلتَ العلج فعلمتُ أنك كُفؤ، فخرجت إليك لأقتلك، وأحظى عند هرقل بقتلك، فقال عامر: إن قولك أنك ستحظى بقتلي عند مخلوق مثلك، فإني أريد أن أحظى بجهادي عند رب العالمين بقتلك، وحمل عامر على جبلة بن الأيهم والتقيا بضربتين فخرجت ضربة عامر بن الطفيل غير مُمَكّنة، وخرجت ضربة جبلة مُمَكّنة، فقطعت من قرنه إلى كتفه فسقط عامر قتيلاً، فوقف جبلة معجباً بنفسه وبما صنع، وطلب المبارزة ثانية، فخرج إليه جندب بن عامر بن الطفيل وكانت معه راية أبيه فأقبل إلى أبي عبيدة وقال: “أيها الأمير”، إن أبي قد قتل، وأريد أن آخذ بثأره أو اقتل، فادفع رايتك لمن شئت، وخرج الغلام و دنا من جبلة وقال له: “اثبت يا قاتل أبي”، فقال جبلة: “ومن أنت من المقتول؟ “. قال: “ولده” قال جبلة: “وما الذي حملكم على قتل نفوسكم، وقتل النفوس محرم؟” قال جندب: “إن قتل النفس في سبيل الله محمود عند الله، وننال به الدرجة العالية”، قال جبلة: “إني لا أريد قتلك” فقال جندب: “وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي؟ والله لا رجعت إلا أن آخذ بثأر أبي أو ألحق به”. ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما الأبصار، نظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعة فعلم أنه شديد البأس، صعب المراس، فأخذ منه حذره، وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام وقد ظهر على صاحبهم وقارنه في الحرب، فصاح بعضهم على بعض وقالوا: إن هذا الغلام الذي برز إلى سيدكم غلام نجيب، وإن تركتموه ظهر عليه، فأنجدوه ولا تدعوه، فتأهبت غسان للحملة لينقذوه، ونظر المسلمون إلى جندب وما ظهر منه ومن شجاعته وشدته ففرحوا بذلك، ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل فبكى وقال “اللهم تقبل له فعله”. قال جابر بن عبد الله: “شهدت اليرموك فما رأيت غلاماً كان أنجب من جندب بن عامر بن الطفيل حين قاتله جبلة” وكانت النتيجة أن ضرب جندب جبلة ضربة أوهنه بها، فكرّ جبلة على جندب فقتله. فصاحت قبيلة جندب واسمها “دوس”: الجنة الجنة، فحملت وحملت معها الأزد فسطروا بطولات ما بعدها بطولات.

جاء مساء اليوم الأول من القتال، ولم يقل أبو عبيدة لأحد من المسلمين من يكون الليلة حرس المسلمين لما عندهم من التعب، بل إنه قد تولى الحرس بنفسه ومعه جماعة صغيرة من المسلمين، فبينما هو يدور إذ رأى فارسين قد لقياه وهما يدوران بدورانه، فكلما قال لا إله إلا الله، قالا: محمد رسول الله، فَقَرَبَ أبو عبيدة منهما فإذا هما الزبير بن العوام وزوجته أسماء بنت أبي بكر الصديق، فسلم عليهما وقال: يا ابن عمة رسول الله ما الذي أخرجكما؟ قال الزبير: نحرس المسلمين، وذلك أن أسماء قالت: إن المسلمين مشتغلون بأنفسهم في هذه الليلة عن الحرس بما لحقهم من التعب في الجهاد طوال يومهم فهل لك أن تساعدني على حرس المسلمين فأجبتها إلى ذلك، فشكرهما أبو عبيدة وعزم عليهما أن يرجعا، فلم يرجعا ولم يزالا حتى طلع الصباح.

وفي اليوم الثاني: وقف عكرمة بن أبي جهل يومئذ وقال: “قاتلتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل موطن وأفر منكم اليوم؟” ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايع الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، وأربعمائة من وجوه وفرسان المسلمين، فقاتلوا في مقدمة فسطاط خالد حتى أصيبوا جميعاً بجراحات وقُتلوا إلا من برأ من جراحه ومنهم ضرار بن الأزور، وأتى خالد بعدما أصبحوا بعكرمة جريحاً فوضع رأسه على فخذه، ووضع رأس ولده عمرو بن عكرمة على ساقه وقد أصيب أيضاً، فرضي الله عن الأب، ورضي الله عن الابن، وجعل يمسح عن وجهيهما، ويقطر في حلقيهما الماء.

رأيي في الابتعاث

الحمد لله على إحسانه و الشكر على توفيقه و امتنانه .. و الصلاة و السلام على قرة العيون رسولنا محمد صلى الله عليه و سلم .. أما بعد :

فما زالت فتنة الدنيا تلح بالمرء أن يستزل معها من أجل مكسب دنيوي أو عاجل مادي. و قد أخبرنا بما تواترت به الصحاح أن أمد الإنسان يقصر عن أمله. لكن – و للأسف – ضعف يقيننا و إيماننا باليوم الأخر جعلنا نتزايد في أمور الدنيا بلا محاسبة. و هذا بلا شك مدعاة لخفض الهمة في الغالب نحو القيام بالفرائض الشرعية و النوافل و ما إلى ذلك.

و ما زلنا في أوساطنا الشبابية نحاول أن نقنع بعضنا في ضرورة زيارة المقابر لترويض النفس الجموح للدنيا، و ما نفتأ نودع أجهزة سياراتنا الأشرطة القرآنية و الوعظية حتى نسترق قلوبنا بالحديث عن الجنة و النار و فضائل الأعمال.

كانت هذه توطئة لا بد منها أثناء حديثي عن رأيي في الابتعاث و الدراسة لدى قوم آخرين لما كثر طلب الإخوان للحديث عن هذا الأمر، إما بشكل فردي أو في مجاميع الطلاب. و الشكر لهم لحسن ظنهم بأخيهم. هذا الأمر كلفني الإطلاع على بعض أحوال الجامعات الداخلية و أمور المبتعثين من خلال المواقع الرسمية و منتديات المغتربين و تلقف الأخبار. فكونت بما مجموعه بعض النقاط التي أرى أنها مهمة أثناء الحكم على هذه القضية. كما أن هذه الكتابة ليست بصدد الحكم على الابتعاث لكنها مجرد أمور يمكن إدراجها أثناء التفكير في مسألة : هل يمكن أن ألتحق ببرنامج الابتعاث أم لا ؟

أول هذه الأمور بالنسبة لنا نحن المسلمين هي قضية الميزان الشرعي. و كلنا نعرف أن إذا كان هناك حاجة ما لسكنى أحد المسلين بين ظهراني الكفار، فيجب أن يكون هذا المسلم على قدر من العلم و الإيمان لمكافحة الشبهات و الشهوات. و قد أفاض العلماء في هذه القضية بما لا يدع مقالاً للشك أحكام الهجرة و الغربة و فيمن يسكن هناك، فكيف بمن هو لمـّا يجاوز العشرين ربيعًا، و هو في ثورة أنشطته الهرمونية و النفسية و العاطفية، و هو أيضًا من مجتمع مستقيم.

و ثاني هذه الأمور، و لربما تمت الإشارة إليه، شدة الحاجة للعلم الذي يحتاجه. و الحمد لله الذي أتم علينا نعمة العلم فقد توفرت أغلب التخصصات الذي تحتاجها سوق العمل في جامعاتنا و ما جاورها من بلاد تشابه حياتهم حياتنا، بل ربما هناك تخصصات لا يقبل فيها إلا المتميزين، و على النقيض هناك تخصصات يطفح فيها عدد المتخرجين عن حاجة البلاد كما نسمع في الأخبار و تقارير البطالة.

و ثالث هذه الأمور، الدراسات العليا و المتقدمة في التخصص. و هو أزمة الشباب الآن. فهو يطمح إلى شهادة مرموقة التي سيعتمد عليها راتبه بعد ذلك. و يفترق من هذا الأمر نقطتان. الأولى: حاجة سوق العمل لتلك الشهادات. فبعض المؤسسات و الشركات تفضل المتخرج الحديث براتب متواضع و على تدريبها الخاص على صاحب الشهادة العليا و التي يطلب فيها صاحبها راتب بقدر معين و مكتب و سيارة و ميزات لا يطلبها المتخرج حديثًا. و الثانية: هي مستقبل هذا المبتعث بعد الشهادة. إذ إن هناك تخصصات دقيقة لا نحتاجها في الوقت الراهن، فهل سيبقى أخونا في مهجره يستمر في طلبه للعلم بعيدًا عن أهله و حتى مماته؟ أم أنه سيتنازل عن الاستمرار في الترقي العلمي و يرجع إلى بلاده في تخصص عام.

و رابعها، الأمراض النفسية التي تنتج من كثرة الاحتكاك بأناس ليسوا على ملتك، فهل يعبدون الدرهم و الدينار، و يقدسون العقل و المنطق، و عقيدتهم تموج موجًا عبابًا بالانحرافات الفكرية. و يقينًا لن تخلو سنين الابتعاث من نقاش هنا أو حديث هناك. كما أن سلوك النساء هناك يختلف كليًا عن طاهراتنا هنا، فسوف يقع المبتعث في موقف محرج كبير عندما لا ينظر على النساء و لا يخلو بهن في المصاعد و الممرات.. و هلم جر. و هل كل مبتعث لديه القدرة العلمية و اللغوية لشرح تفاصيل شريعتنا الزكية أو لديه الوقت لعقد جلسات مناقشة حتى يبين عقيدته و الحكم منها.

و خامسها، أن هذا الكلام لا يعمم على الإناث الذين يخرجن بلا محرم. فهنا كدت أكذب أن هذا حصل لولا تواتر أحاديث الناس. ثم سمعت هذا الكلام لاحقًا من شيخنا محمد المنجد أبقاه الله لنا. فالمحرم يذهب معها ثم يتركها و يعود. فهذه النقطة تخص أولياء الأمور للذكور الصغار المتخرجين من الثانويات و الإناث عمومًا باستحكام الاهتمام بالرعية التي ولاه الله إياها. و ليعلم أن الرزق مكتوب و لو لم يعرف ( أو تعرف ) جمع 2 و 1 ، ثم يغفر الله لنا.

و سادس النقاط، اعتقاد أن المبلغ الشهري المدفوع يكفي للمصاريف التي يحتاجها الطالب هناك. و كما نعلم أن تعاملات القوم بالربا أدت لتضخمات مالية كبيرة. فقد تغطي المكافأة الشهرية أغلب المصروفات لكن ما زال البعض يحتاج لدعم مادي. و حسب ما وجد في بعض المدونات و المنتديات؛ فالطلاب إما يحصلون على هذا الدعم من ولي أمره أو من خلال وظيفية بنظام الساعات.

هذا ما في بالي الآن.

أم عمارة

شهدت معركة أحد .. و أبلت بلاءً حسناً حيث هرب الناس من حول رسول الله ولم يبقى معه إلا نفر لا يزيدون عن العشرة . و انكشف رسول الله أمام أعدائه ، وبقيت نسيبة و زوجها غزية و ولداها تذب عن رسول الله  .. و الناس يمرون منهزمين ، كانت تقاتل بالسيف و ليس في يدها ترس تحمي به نفسها ، فيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يركض هاربًا و بيده ترس ، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” ألق ِ ترسك لمن يقاتل فألقاه ، فقالت نسيبة : ” فأخذت الترس فجعلت أترُس به عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و قد فعل بنا الخيالة الأفاعيل !! و لو كانت معنا خيل لما نال منا أحد من أعداء الله ، وكنت أضرب عراقيل الخيل، فيسقط عنها الرجال، وكنت أعلوهم بالسيف ” .

و تستكمل أم عمارة حديثها : ” و جاء فارس من خلفي سريعاً .. يريد قتلي .. فنادى رسول الله صلى الله عليه و سلم ولدي و يقول : ” يا ابن أم عمارة أمك .. أمك ” ، فاستقبله ولدي .. فعاونني عليه فأوردته حتى الموت ، و قد جرح ولدي و كان الدم ينزف منه ” .. يقول ولدها : ” فأتت أمي ومعها عصائب كانت تعصب بها الجرحى ، فربطت جرحي وهي تقول : ” لا عليك ما نلاقيه في سبيل الله ” . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” انهض يا بني ” .. فقمت كأنني لم أصب ، و إذا بالذي ضربني يمر ، فقال رسول الله : ” يا أم عمارة .. هذا ضارب ولدك ” . فقامت إليه أمي .. فاعترضت له فضربت ساقه فبرك ، ثم علت هامته بالسيف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الحمد الله الذي نصرك عليه ” ..  “.

وبقيت أم عمارة تذود عن رسول الله ، و قد أصيبت بعدة جراح ، و كانت قد أصيبت بجرح بليغ و أخذ الدم ينزف من عاتقها ، فنادى رسول الله صلى الله عليه و سلم ولدها عبدالله قائلاً : ” يا عبدالله اعصب جرح أمك ” ، وأخذ رسول الله يقول : ” اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ” ، و أخذت أم عمارة تقول : ” و ماذا عليّ ما أصابني من الدنيا ” .. فقال رسول الله : ” من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟! ” .

و شهدت كذلك يوم الحديبية.. و يوم حنين .. و يوم اليمامة .. و كانت في كل هذه المواقف تظهر بسالة منقطعة النظير .. هذه نسيبة بنت كعب ( أم عمارة ) تقطع يدها يوم معركة اليمامة ، و عادت وفي جسدها إحدى عشرة جرحًا.. و قدمت المدينة المنورة و بها جراحها وهي تقول:  ” و ماذا فاتني من الدنيا إذا كنت مع رسول الله في جنات النعيم ” . و يكفي أم عمارة فخراً أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لها : ” يا أم عمارة ، أنت عند الله خير من فلان و فلان ” .. رجال من الصحابة سماهم .

و كانت أم سعد بنت سعد بن ربيع تقول : ” دخلت عليها فقلت لها : يا خالة حدثيني خبرك ؟ . فقالت : ” خرجت أول النهار إلى أحد .. و أنا أنظر ما يصنع الناس .. و معي سقاء فيه ماء .. فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم و هو في أصحابه .. و الدولة و الربح للمسلمين .. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فجعلت أباشر القتال و أذب عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالسيف و أرمي بالقوس .. حتى خلصت إليّ الجراح ” . فرأيت على عاتقها جرحًا له غور أجوف فقلت : يا أم عمارة من أصابك بهذا ؟ قالت : ” أقبل ابن قميئة و قد ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه و سلم يصيح ..  ” دلوني على محمد ، فلا نجوت إن نجا ” .. فاعترض له مصعب بن عمير و أناس معه فكنت فيهم .. فضربني هذه الضربة .. و لقد ضربته على ذلك ضربات و لكن عدو الله كان عليه درعان ” .

قلت ( أم سعد ) : يدك ما أصابها ؟ قالت : ” أصيبت يوم اليمامة لما جعلت الأعراب ينهزمون بالناس نادت الأنصار : ” أخلصونا ” ; فأخلصت الأنصار ، فكنت معهم حتى انتهينا إلى حديقة الموت .. فاقتتلنا عليها ساعة حتى قتل أبو دجانة على باب الحديقة .. و دخلتها .. و أنا أريد عدو الله مسيلمة .. فيعترض لي رجل منهم .. فضرب يدي فقطعها ، فوالله ما كانت لي ناهية و لا عرجت عليها .. حتى وقفت على الخبيث مقتولاً ، وابني عبد الله بن زيد المازني يمسح سيفه بثيابه . فقلت : ” قتلته ؟ ” قال ” نعم ” . فسجدت شكرًا لله ” .. ” .

و كان ضمرة بن سعيد يحدث عن جدته و كانت قد شهدت أحدًا تسقي الماء قالت : ” سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : ” لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان و فلان ” و كان يراها تقاتل يومئذ أشد القتال .. و إنها لحاجزة ثوبها على وسطها ، حتى جرحت ثلاثة عشر جرحًا ” .

حدث يعقوب بن محمد عن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال : ” أتي عمر بن الخطاب بمروط فكان فيها مرط واسع جيد .. فقال بعضهم إن هذا المرط بثمن كذا و كذا ، فلو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد .. فقال : ” أبعث به إلى من هو أحق منها ، أم عمارة نسيبة بنت كعب . سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد يقول: ” ما التفت يمينًا و لا شمالاً .. إلا و أنا أراها تقاتل دوني ” .. ” .. ” .

ضيوف فجأة

لا يحدثك مثل خبير في تنظيم الوقت عن الفجأة غير المبررة في الحياة . فجأة لديك ضيوف .. فجأة يريدون العشاء .. فجأة يريدون مزيد من الأنس إلى وقت متأخر من هزيع ليل .. أظلم بوجودهم . هكذا هي الحياة لدى الفوضويين .. الذي تمتلئ بهم جنبات الشوارع و الاستراحات .. يتصلون بك الصباح .. ” نحن قادمون الليلة ، و فلان و علان و زعطان و معطان ” .. ربما سيسلخونك بألسنتهم إذا قصرت في ضيافتهم . ربما سينحتون لك برجًا من العار إذا اعتذرت بأنك على موعد مسبق لإجراء عملية درجة نجاحها 2,5 % .. ربما سينشرون قصيدة لا يرقبون فيها إلاًّ و لا ذمة فيك لأن موعد دفنك قبل موعد حضورهم .

يأتون محملين بهمومهم و أحاديث الأخبار ليستنزفوا طاقاتك .. في سماع غبارهم عن الأسهم .. و الفلم التركي .. و آخر مستجدات البحيرة .. و عن حصار غزة .. و النهش في لحوم الجيران حتى التخمة . ربما قد سمعت هذه الأحاديث سبعين مرة و مرة .. لكنما الهش و البش في الوجه التي جاءت تقصدك – لتمنحها حنانك – واجب عليك لا محالة .. ثم ينفض المجلس و لا فائدة .

و من أبشع ما رأيت من ضيوف الفجأة .. رجل قلما رأيته يتحدث إلا عن النساء و المسيار .. و النحو من هذا .. رغم إنه رجل جبان .. !!! .. صفعه أحدهم قائلاً : ” يا أبو مسيار .. من يوم ما عرفتك و إنت تسولف و لا شفنا منك حاجة ” .. يا الله .. كم أثلج صدري بهذا اللغم القاتل . و آخر .. المقصد : سأقف هنا ، منعًا للشماتة .

و من ضيوف الفجأة في المسجد .. من يقفز قفزًا و هو مثل الجدار ليسد خللاً مثل رأس الإبرة . كم أشمئز من هذا التصرف .. لقد أمرنا بسد الخلل .. و ليس بالكبس .. شكر الله حرصهم . و الأدهى و الأمر من يلصق أصبعه الصغير في أصبعك الصغير .. فإذا حاولت التفلت .. نصحك بعد الصلاة بقوله .. لا تكن كـ ” بغل شموس ” .

و منهم أيضًا .. من يصعر خديه ذات اليمين و الشمال عزين .. عندما يرى مكان المؤذن فارغـًا .. فهو يتلصص النظر و يكثر تحريك يده على صفائح وجهه العريض .. ثم يفاجأ الجميع بسقوطه كجلمود صخر حطه السيل من عل ِ .. و عندما تقام الصلاة تراه يتبحبح و يتلحلح في مكانه .. كأن أبوه وهبه المكان .. أو أن أمه وضعته فيه .. فلا يجد المؤذن المنشغل بأمور المسجد و المصلين بدًا من مزاحمة المصلين ليجد فسحة إجبارية ليصلي فيها .. في مكان كان مكانه .

و منهم من يصيح على الإمام أثناء قراءته إذا ارتج .. و منهم من يشغلك بجواله .. و منهم من يؤذيك برائحته .. و منهم من يرفع صوته .. و منهم من يجبرك على التطيب .. و منهم من يغثك بالسلام بين الأذانين .. و منهم .. و منهم ..

و من ضيوف الفجأة .. متعالم في فنون الحاسوب .. أكاد أنخنق من تصرفه .. فهو لا يرض أن يشرح لك على الحاسوب إلا تحت سلطته .. يمسك الفأرة .. و يقترب من الشاشة .. و يبصم عليها بأنامله الرقيقة التي تشبه الملاعق .. المهم .. تصرف غير لائق .

و منهم من يلزمك بسماع حديثه .. و هو أقل ضيوف الفجأة وطأة .. لكنه ما زال يسبب لي الكثير من المتاعب .. خصوصًا وقت الانشغال .. و سواء كان هذا من خلال المواجهة بعد الصلوات .. أو من خلال الهاتف .. أو التحدث في برامج التواصل . و رغم التصريف الشديد .. و أحيانـًا الأليم .. إلا إنه يصر على المحادثة حتى يقضي نهمته .

و من أعجب الضيوف .. من يريد منك ” شغلة ” ما .. و عندما تطلب تفاصيل .. يرد بكل ثقة : ” على كيفك .. خذ راحتك ” .. و تُفاجأ بعدها .. بأنه يريد كذا و كذا .. و لا بد من هذا و هذا .. تبـًـا .. تبــــًــــــــــــا .. و من أراد العافية .. و قد ” أكل مطب ” من مثل هذه الشخصيات التعميمية .. فليحدد كل تفاصيل العمل .. و سيواجه تضجرًا و ضيقـًا .. لكن ليصبر .. ثم ليعود له بعد كل فترة من العمل . الأشخاص التعميميون يسببون مشاكل للشخصيات الأخرى .. لأنهم يخبروا عن كل شيء بكل اقتضاب و تشذيب .. ثم تفاجأ بعدها بالهوائل !!

هؤلاء بعض ( ضيوف ) .. تحتاج لمجاملتهم كثيرًا .. و الحياة مليئة بالتعاطف الاجتماعي .. لكن لا نجعل الأشخاص العدوانيين يملون علينا شخصياتهم و ما يرتضون لأنفسهم .. إذ لا ينبغي لباغي الكمال أن يكون إمعة .. مهزاز الرأس .. مكتاف اليدين .. و هكذا تمضي الحياة .

خواطر 11

روي عن النبي صلى الله عليه و سلم مرفوعًا :

” ألا أخبركم بالمؤمن ؟

من أمنه الناس على أموالهم و أنفسهم ..

و المسلم من سلم الناس من لسانه و يده ..

و المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله ..

و المهاجر من هجر الخطايا و الذنوب . ”

صححه الألباني

==========

الخلة التي أنكرها الله

هم الأصحاب الذين ترجو من ورائهم منافع دنيوية .

هل تأملت زملاء دراسة أو رفقاء السكن ؟

هل ترجو من ورائهم مصلحة عاجلة ؟

إذن ..

نحن بحاجة إلى ترتيب بعض أوراق حياتنا !

==========

إن من مقياس قوة الالتزام ..

جلسة الإشراق ..

إنها مجاهدة النوم

و مجاهدة البقاء في المسجد

و مجاهدة تدارس القرآن

و مجاهدة الشيطان .

رعب الماء

ارجعْ إليهم .. لو تداوي جرحهم * لـمّا غششتم في الرعية مالا
لما جرى السيلَ العظيم تركتَهم * في موتهم يتخبطون وبالا
ارجعْ إليهم .. لو علمتَ أمانة * فلكم رأيتَ شقاوة الإهمالا
أهلكتَ قومَك في مناصبِك التي * كانت أعزُّ عليكمُ إجلالا
لا .. قف مكانك .. قلْ لهم عن “جدّةٍ” * أن المياهَ عَصَتْ .. فصال و جالا
منْ مخبرٌ – هذي الأمانة – أنهم * من غشهم حول الرقاب حبالا
من مخبرٌ: أن المدينةَ هُدِّمت * لما طغا موجُ السيول و سالا
من مخبرٌ: أن المساجد خُرِّبت * و السيلُ يزبدُ .. طينه يتعالى
من مخبرٌ: أنَّ الشوارع حُوّلت * قبرًا كبيرًا جامعًا أوْحالا
من مخبرٌ: أن الوليدة أُغرقت * لما طغا ماء السماء فنالا
سرْ في ميادين السيول و لا تخفْ * فلقد مضى ما خفتَ منه و زالا
و كذا الجبانُ يموتُ – لا مِنْ علَّةٍ – * بل كان يخشى أن يرى أخْيَالا
قد كان طرفُك ناعسًا فيما مضى * فعلام ترعى للرعيةِ بالا
فاسكب دموعك و اعتذر من مجمعٍ * سيكون خصمك، فالحساب مآلا

مدينة الصم

في عالم افتراضي مليء بالطمأنينة و السكون .. في ” مدينة ” ما .. ينتشر بين الناس تحقيق الذوات من خلال برامج البحث العلمية و تطبيق البحوث العملية .. المدينة كبيرة .. بما يكفي لبناء المستشفيات الكبيرة و المدارس المتعددة و القصور الضخمة و مراكز الشرط و نقاط تنظيم المرور و محاكم فض النزاعات و إثبات الشهادات .. و المدينة واسعة بما يكفي لأن تكون سكانية و صناعية و زراعية و اقتصادية و مصدرة و مستوردة .

في هذه المدينة ينشأ الجيل على الثوابت و القيم .. و يتعلم أساسات العلوم المختلفة .. ثم يترعرع على يد الباحثين و العلماء و طلبتهم .. في شتى المجالات .. حتى إذا بدأت أفهامهم بالنقد المتزن و التمييز الحقيقي .. يشرعون في التخصص الفردي و تقديم البحوث لأساتذتهم المخلصين .. كما أن المدينة لا تمانع بابتعاث أحد طلبتها النجباء لتحضير دراسة تبدو جيدة و مهمة لمستقبل المدينة . الهدف من هؤلاء الجيل الجديد .. هو تدعيم دور المدينة في الحياة .. و تدعيم ثقافة خدمة القيم و الثوابت و خدمة النفس و المجتمع.

كانت هناك مشكلة كبيرة في هذا المجتمع لم يستطع أحد أن يحلها .. كما أنهم اكتشفوا – من قبل – أن هذه المشكلة قد فتحت عليهم أبواب كثيرة من التفكير و الصناعة .. رغم ما يقال عنهم . مشكلتهم أنهم – كلهم – يعانون من صمم كامل .. لا يستطيع أحد منهم السماع .. و بالتالي لا يوجد هناك حاجة للكلام .. و الجيل التالي يتعلم من الماضي ” مهارة الصمم ” بالتلقي التقليدي الجيد .. و هكذا نشأت المدينة بحفظ الله .. يتطورون و يطورون .. يتعلمون و يعلمون .. يعملون و ينشئون .

راقت لي هذه المدينة كثيرًا .. لأنهم احتاجوا أن يكونوا أذكياء كثيرًا .. و أن يكونوا قرّاء بالدرجة الأولى .. لا يوجد بينهم خصومات  .. و إن كان  .. فيتجهون مباشرة إلى من يفض النزاع .. لعدم أمكانية تبادل السباب المؤدية إلى المشاجرات . كما لا يوجد بينهم واسطات و تجاوزات .. لأن كلمة ” تكفى ” التي تهز الرجال لا تسمع .. فحتى لو كتبت .. لن يكون لها تأثير المنطق المفزع .

على جانب آخر .. لم يكن هناك منظرين متقعرين أو متفلسفين .. فما احتاجوه أخذوه و طوروه ثم كتبوه للأجيال التالية . و لم يكن هناك من يصرخ في وجوه الناس .. افعل .. اترك .. اخرج .. ادخل .. إذ أن الدستور كفيل بالحقوق و يرتب الواجبات بالشكل المطلوب .. الجميع منشغل بالتفكير برقي نفسه و أسرته .. ثم بخدمة من حوله .. كم هي ممتعة هذه الحياة !!

في هذه المدينة .. لا يمكن لأب أن يعامل ابنه بقسوة .. أو أم أن تعامل ابنتها بجفاء .. أو بزوج أن يتسلط بالعنف على زوجه .. أو بكبير أن يعنف صغيرًا .. أو لعزيز أن يحتقر بسيطًا من دهماء الناس .. أو جار أن يؤذي جاره .. كما لا يمكن بسط نفوذ القبيلة على أفرادها .. أو رئيس على مرؤوسيه .. أو استبداد برأي .. أو حتى تخلٍ عن مسؤولية .. لا يمكن أن يفسح الطريق لأحد أكثر من حاجته .. لا يوجد إضراب أو إغلاق أو تشنيع أو شغب أو أي مهزلة تحصل في عيد أو حفل من احتفالاتنا .. لا توجد مراهقة مبكرة أو متأخرة .. لأن الصم يستطيعون التفكير و العمل بجدية و إخلاص متفان يؤهلهم لشغل الفراغ بما هو مناسب .. حتى الإعلام .. إن لم يكن يعمل لأجل رفعة المدينة فهو يعمل من أجل تنكيسها .. خياران فقط .. و لا بد حينها من معاقبة المتسبب في ذلك .. سواء بكتابة أو تصوير أو تعليق أو نشر أو تقديم أو تحقيق أو سبق صحفي .

الفرق الوحيد بين مدننا و مدينة الصم هو : فجوة الأداء . هذه المساحة التي تتولد بين ما يتم التخطيط له و بين ما يتم تنفيذه .. بين ما يتم رسمه و بين ما يتم تحقيقه .. بين ما هو مؤمل و بين ما يتوقع .. بين الخيال و خطوات الحقيقة .. التي قد تسرع و قد تبطئ .. أو حتى تتلاشى . المهم أن مدينة الصم لا تعاني من ” حفرة ” الأداء .. التي نعاني منها و تقع فيها كافة مشاريعنا الصغيرة و الكبيرة .